المقارنة بمصر في مصلحة قيس سعيّد

15:28

2021-07-31

خيرالله خيرالله

دبي - الشروق العربي - تبدو حملات التضامن مع حركة النهضة في تونس، وهي حملات باشرتها أحزاب إسلامية في مختلف أنحاء المنطقة، بمثابة تأكيد لواقع فرض نفسه. يتمثّل هذا الواقع في أنّ مبادرة الرئيس قيس سعيّد، التي قلبت الطاولة على الإسلاميين والانتهازيين كانت في مكانها. من يشارك في مثل هذا النوع من الحملات يرفض أخذ علم بالأرقام التي تشير إلى انهيار تونسي على كلّ المستويات وتراجع كبير للاقتصاد ومستوى المعيشة لدى المواطن العادي.

تعتقد هذه الأحزاب الإسلامية التي تربّت في كنف الإخوان المسلمين أن الشعارات تطعم خبزا وأن الناس تستطيع الاكتفاء بالكلام عن مستقبل أفضل من دون أن تفعل شيئا من أجل ذلك. هذه ليست مدرسة الإخوان السنّة وحدهم، بل هي مدرسة ميليشيات شيعية أيضا مثل “حزب الله” في لبنان. يعتقد الحزب أن صواريخه ستأتي بالدواء والوقود للمواطن اللبناني وسترفع من مستوى المدارس والجامعات وستوفّر وظيفة وطعاما لكل خريج جامعة!

ليس قيس سعيّد من تحرّك في وجه النهضة. كان الرئيس التونسي رأس الحربة في هذا التحرّك. من تحرّك هو الدولة العميقة في تونس بأجهزتها ومؤسساتها والمجتمع المدني في الوقت ذاته. ما تبيّن، أقلّه إلى الآن، أنّ النهضة لم تستطع استنهاض الشارع التونسي وتأليبه على الإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي المنتخب بأكثرية شعبية تفوق في نسبتها السبعين في المئة.

تمرّ تونس حاليا في مرحلة انتقالية في غاية الأهمية. سيظهر في ضوء هذه المرحلة ما إذا كانت تونس قادرة على استعادة استقرارها الداخلي من جهة ومعالجة الأزمات التي تعاني منها من جهة أخرى. في مقدّم هذه الأزمات الاقتصاد وجائحة كوفيد – 19 التي كشفت هشاشة حكومة هشام المشيشي وعدم جديتها. كشفت الجائحة التي فتكت بتونس والتونسيين أنّ المشيشي لم يكن سوى أداة استخدمتها النهضة من أجل شل نشاط رئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة.

كان لافتا في الحملة التي يشنّها تنظيم الإخوان المسلمين بفروعه المختلفة المقارنة بين ما حصل في تونس في 25 تموز – يوليو 2021 وبين ما حصل في مصر في 30 حزيران – يونيو 2013. تلعب مثل هذه المقارنة بمصر في مصلحة قيس سعيّد وليس ضدّه. يحاول الرئيس التونسي إنقاذ تونس. دفعه الشعب التونسي، بأكثرية كبيرة، إلى ذلك. دفعه أيضا الجيش التونسي والمؤسسة الأمنية التي تعرف تماما ما هو على المحك وما ستؤدي إليه الفوضى التونسية. لعلّ أفضل تعبير عن هذه الفوضى مشاهد في مجلس النواب اعتدى فيها نواب من النهضة على نساء تجرّأن على قول الحقيقة في جلسات للبرلمان.

ليس لدى مصر ما تخجل منه إطلاقا. ما حدث في ثلاثين حزيران – يونيو كان ثورة شعبية حقيقية حرّرت مصر من نير الإخوان المسلمين وتخلّفهم. هناك من لا يريد أن يرى أن ليس المصري وحده الذي تحرّك لإسقاط حكم الإخوان الأسود الذي وضع في الواجهة الراحل محمّد مرسي الذي كان رجلا مسكينا لا يليق بمصر والمصريين.

ما حدث في مصر كان إنقاذا لها بعدما صارت محكومة من قطاع غزّة. نعم، في عهد محمّد مرسي والإخوان، صارت مصر تابعة لغزّة و”حماس” بدل أن تكون مصر هي التي تتحكّم بغزة وتعيد المجموعة التي تتحكّم بالقطاع إلى جادة الصواب بدل الاستمرار في خدمة إسرائيل!

انتصر صوت العقل في مصر. يؤكّد ذلك التقدّم الذي تحقّق في كلّ المجالات منذ العام 2013. ليس سرّا أن مصر لقيت في تلك الحقبة من تاريخها الحديث دعما خليجيا واضحا وفوريّا من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت من أجل تجاوز عهد الإخوان الذي كانت تراهن عليه إيران وتركيا في الوقت ذاته. وقفت مصر على رجليها واستعادت عافيتها. مصر القويّة ضرورة عربيّة، خصوصا عندما تبتعد عن الشعارات والكلام الكبير الفارغ من أيّ مضمون الذي أخذها إلى هزيمة 1967.

سيكون على تونس السير على خطى مصر. سيتوقف الكثير على قدرة مؤسسات الدولة العميقة على الذهاب إلى النهاية في عملية تستهدف إعادة “ثورة الياسمين” التي أطاحت بزين العابدين بن على إلى المبادئ التي انطلقت منها.

المؤسف منذ رحيل بن علي أن تونس فقدت الكثير. فقدت الاستقرار والنمو الاقتصادي قبل أي شيء آخر. لم تعد المدن التونسية مدنا نظيفة. سادت الفوضى في كل بقعة تونسية. أكثر من ذلك، تدهور الاقتصاد وزاد الفقر. هذا الفقر لا يدفع سوى إلى الإرهاب. هذا ما لا تدركه حركة مثل النهضة ومثيلاتها.

تحتاج تونس إلى استعادة الجانب المضيء في ماضيها. الأكيد أنّ حركة النهضة لم تستطع في أي وقت تقديم أيّ إيجابيات إلى تونس. حصرت همّها في كيفية الاستحواذ على السلطة بطرق خبيثة. الأكيد أنّها فوجئت بقيس سعيد وتصميمه على أخذ المبادرة ووضع حدّ للفوضى التي أرادت حكومة هشام المشيشي نشرها كي يتمكّن راشد الغنوشي من لعب دور الحكم بين رئيس الجمهورية في صراع مستمر مع رئيس الحكومة.

تستحقّ تونس مستقبلا أفضل. كان الحبيب بورقيبة زعيما رائدا على كلّ صعيد. لو استمع إليه الضابط الريفي جمال عبدالناصر، لكان وفّر على مصر وعلى العرب الآخرين الكثير. وضع بورقيبة الأسس التي جعلت من تونس دولة متقدّمة في المنطقة. ما يحصل حاليا إعادة اعتبار إلى بورقيبة. يقوم بعملية ردّ الاعتبار هذه التونسيون الذين أدركوا أخيرا معنى فقدان الاستقرار والدولة القويّة وحقوق المرأة ورفع مستوى التعليم…

نعم، إنّ مصر مثال يمكن أن تقتدي به تونس بعيدا عن عقد الإسلاميين الذين يعتقدون أنّ  لديهم مشروعا حضاريا يقدّمونه من أجل الاستيلاء على السلطة ولا شيء آخر غير ذلك.

ما شهدته تونس كان انكشافا لمشروع فوضوي لا أفق له باستثناء أخذ البلد إلى المجهول. في النهاية يستطيع كلّ تونسي أن يسأل نفسه ما الذي تستطيع النهضة تقديمه للمواطن باستثناء المزيد من التخلّف؟