الرأي الذي لا تريد سماعه

22:29

2021-02-22

مأمون فندي

دبي - الشروق العربي - في كثير من المحاكم العليا في العالم هناك تقاليد في إصدار الأحكام تقضي بنشر رأي الأقلية من القضاة مع رأي الأغلبية الذين اجتمعوا على رأي واحد والذي يمثل الحكم النهائي، وفي بعض الدول مثل الولايات المتحدة هناك خانات في الحكم يقول فيها القاضي إنه مع الأغلبية في هذه الجزئية من الحكم وضدها في الجزء الآخر. والقصد من هذه الفكرة، فكرة نشر الرأي المخالف، هو أن الرأي المغاير هذا قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى تغيير القوانين وإعادة قراءتها بطريقة تسمح للنظام بأن يصحح من مساره، وهذا التصويب الذاتي هو الذي يجعل الديمقراطيات كائنات حية.
ما يُعرف بالرأي المخالف في القانون (dissenting opinion)، يُعرف في السياسة بتقرير الأقلية (minority report)، وهذه الآراء المغايرة هي التي تجدد خلايا النظام أو تقلل من فرص الموت السريري للنظام بمجمله والتي تكون عواقبها ثورات أو فوضى.
وبما أن الديمقراطية ليست بالنظام السائد في منطقتنا، أقترح أن يكون لدى الحكام أقلية مغايرة، ولن أقول من الخبراء حتى لا نرفع سقف الطموحات، وإنما مجموعة من أهل الثقة ممن حولهم ولديهم شيء من الحكمة وصدق القول وعدم البحث عن مغانم شخصية، ثلاثة على الأقل من هؤلاء يمنحونهم الأمان ليقولوا لهم ما لا يحبون سماعه، أو يمثلون الرأي المخالف بهدف ترشيد القرارات أو تصويب مسارها حين يكون ذلك ضرورياً. هذه المساحة الآمنة لأصحاب الرأي المخالف ضرورية لحياة أي نظام.
طبعاً هناك مشكلة لغة هنا لا بد أن توضع في الحسبان، وهي أنه في لغتنا العربية المعاصرة لا وجود لكلمة «dissent» أو «الرأي المغاير» من دون دلالات سلبية، فالمغايرة والمخالفة في الرأي عندنا هي نوع من المعارضة التي تهدف إلى تقويض البناء، معارضة تُوصم بالخيانة لمجرد طرح بدائل مغايرة. إذن لكي نتحدث عن فكرة مجرد رأي مخالف كأقلية لا بد من نزع الدلالات السلبية للمخالفة والمغايرة في الرأي قبل كل شيء.
ما قيمة الرأي المخالف أو المغاير؟ في الثقافات الأخرى فكرة الرأي المغاير في السياسات هي ما تُعرف بالبدائل أو الخيارات البديلة التي قد تكون أفضل كثيراً أو أفضل قليلاً أو أقل سوءاً (alternative policy positions). من دون وجود خيارات بديلة للسياسات نكون أمام جماعة «آمين»، وإغلاق النقاش والقبول بما يقوله منهم على رأس الطاولة رغم خطورته وفداحة خطئه أحياناً.
إذا أخذنا مسألة مثل تحدي مشكلة مياه النيل القائمة بين دول المصب (مصر والسودان) ودول المنبع (إثيوبيا وأوغندا) نجد أن مسألة الخيارات السياسية البديلة لا تناقَش بجدّية في المجال العام، ولا أدّعي معرفة ما يدور في الغرف المغلقة، ولكن يمكن أن تشم رائحة ما يدور في هذه الغرف من تجلياته في الحديث العام، وذلك لأن الإعلام الخاضع للرقابة يعكس ما يدور في الكواليس بشكل مخفّف.
تُرى ما الخيارات البديلة في التعامل مع سد النهضة؟ وأي مشكلة قادمة تؤثر على دول المصب؟ هل الطريق الدبلوماسي القانوني هو الحل من خلال تبني مشروع نظام مقنن للمياه (water regime) على غرار ما يحدث في الأنهار العابرة للحدود في بقية دول العالم؟ هل هو مزيج من استخدام القوة الخشنة والدبلوماسية معاً؟ وهل استخدام القوة الخشنة يمكن أن يؤدي إلى نتيجة وأن هناك استراتيجية خروج إذا ما تم استخدامها؟ هل استدعاء قوى من خارج الإقليم لاستخدام مزيد من الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على إثيوبيا هو الحل؟ وهل لدينا عدد كافٍ من الأصدقاء يمكنهم الضغط بفاعلية؟ هل تدويل الأزمة ونقل الأمر برمّته إلى مجلس الأمن الدولي هو الحل؟ ما تبعات كل هذه الخيارات إذا ما أُخذت إلى نهاياتها المنطقية؟ هل هناك منطقة حل وسط تأخذ في الاعتبار مصالح إثيوبيا واحتياجاتها للطاقة من أجل التنمية في بلد نامٍ ثلثه تقريباً من دون إنارة، وتأخذ في الوقت نفسه مصالح بلدان المصب في الأمن المائي؟ أسئلة كثيرة تطرح خيارات بديلة إذا ما أُخذ الأمر بجدية وتم السماح لآراء الأقلية في التعبير عن مخاوفها من تبعات كل خيار على حدة.
لن أكابر وأدّعي أنني لست مهتماً بالأزمة بين مصر وإثيوبيا فيما يخص الأمن المائي لبلدي، ولكنني لست هنا بصدد هذا بقدر ما أنا مهتمّ بالأمر كمثال لتوضيح فكرتي عن الرأي المخالف (dissenting opinion).
المتابع للحوار العام حول مسألة سد النهضة وآثاره على مستقبل الأمن المائي والأمن الإقليمي، يرى بما لا يدع مجالاً للشك أن الحوار يعكس الحد الأدنى من الحوار الجاد، ومعظم الأحيان يكون الحوار مجرد درجة عالية من التمرين على فن جديد أَتقنه الإعلام، وهو قضاء أكثر من ساعة في الحوار الذي لا يقول شيئاً ذا معنى (the fine art of saying nothing).
وجود الرأي المخالف ولو بأقلية يجنِّبنا الكوارث الناتجة عن قضاء ساعات متلفزة عالية التكاليف لا تقول شيئاً سوى أننا نحاول فهم شيء غير معروف حتى الآن، وأن الأمر في المطبخ، وقد اطّلعنا على ما يدور في المطبخ في عهد محمد مرسي عندما بث التلفزيون ما ظنت الرئاسة أنها جلسة مغلقة، وما ظهر على الشاشة كان أمراً فاضحاً كشف لإثيوبيا ولغيرها أنه لا شيء هناك يدور في الخفاء مختلفاً عمّا نسمعه في العلن وبذات التدني في الفهم والإلمام بأبسط حقائق الأمور. كانت «فضيحة بجلاجل» لمن يذكر ذلك اليوم. فلم يكن الموضوع مجرد غياب المحتوى (substance) بل كان كاشفاً عن أن مَن يديرون الأمور لا يعرفون إذا ما كان الاجتماع سرياً أم على الهواء؟
وجود الرأي المغاير حول القيادة يجنّبنا هذه الكوارث، إذ من الأهمية بمكان أن يكون حول صناع القرار في العالم العربي مَن يختلفون في الرأي معهم ليس في السياسة الخارجية فقط، وإنما في السياسة الداخلية.