فتوى "المرشد".. والإنسان الإيراني

10:51

2021-01-12

محمد خلفان الصوافي

دبي - الشروق العربي -  

في كلمة متلفزة له، قال "المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران" علي خامنئي، يوم الجمعة الماضية.

إن بلاده سوف تحظر استيراد لقاحات فيروس "كوفيد 19" من الولايات المتحدة وبريطانيا تحت ذريعة أن نوايا الدولتين السياسية غير موثوق بها بتاتاً. وفي تفاصيل الكلمة شمل الحظر فرنسا، كما جاء فيها أنه يعلن موقفه للجميع بعدما أصدر تعليماته للمسؤولين الإيرانيين.

للوهلة الأولى وبطريقة موضوعية، يعتبر موقف "المرشد" غير لائق من ناحيتين؛ الناحية الأولى إنسانية، حيث إن موقفه جاء في وقت والعالم فيه "متحد" من أجل تجاوز أكبر كارثة تمر على البشرية، وبالتالي فخطورة الوباء على البشرية لا ينبغي "تسييسها" وفق خلافات مع الغرب وربما لو كان المبرر متعلقا بالتكلفة المالية يمكن تفهمه.

الناحية الثانية سياسية، إذ إن مكانة خامنئي في الفكر السياسي الشيعي وسلطته الدينية لا تقتصر على حدود إيران، بل تتجاوزها إلى العديد من دول العالم، نتيجة لما يعرف بولاية الفقيه المطلقة، وبالتالي فإن تأثيره الفكري والطائفي يتجاوز حدود بلاده ويدرك الكثيرون ما يعني ذلك.

 المصادفة اللافتة أن موقف "المرشد" "الفتوى أو النصيحة" جاء مع الاحتفالات بمرور "42" عاماً على نجاح "الثورة" ضد نظام الشاه التي حدثت في "16 يناير 1979"، ولكن ما يدعو للأسف أن مواقف "المرشد" والمسؤولين الإيرانيين تؤكد للشعب الإيراني الذي يشكّل أغلبه من جيل الشباب أن الزمن لم يتحرك، بل بقي مع الجيل الأول "للثورة" وهو عزل المجتمع الإيراني عما يحدث في العالم من تغيرات في العيش وفي طريقة التفكير.

ظلت طريقة تفكير قادة إيران على مدى 42 عاما قائمة في أغلبها على المتاجرة السياسية بالإنسان الإيراني، وعلى استخدام آماله في العيش الكريم للمساومات مع المجتمع الدولي.

فالواضح من موقف "المرشد" أنه يرسل إشارات سياسية إلى الغرب بدليل أن الشك يقتصر على أمريكا وبريطانيا وفرنسا، ولكنه لا يشمل الصين وروسيا، وبالتالي فهو يسعى للضغط على إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن من أجل الحصول على "وعد" بشأن تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على نظامه، وكذلك التفاوض على الملفات السياسية العالقة كما الملف النووي والصواريخ الباليستية دونما أن يدرك (بوعي) أنه يضاعف من أخطاء النظام السياسية مع المجتمع الدولي ويزيد من غضب الشعب الإيراني الذي يشاهد ما يحصل في دول العالم ويقارن ذلك مع ما يحدث في بلاده.

لأسباب لا علاقة لها بصحة الإنسان، لم يعترف قادة إيران بوجود وباء كورونا في بداياته عندما أعلن العالم عن انتشاره في فبراير من عام 2020، وللأسباب نفسها أيضاً، لم يتفاعل هذا النظام مع المجتمع الدولي الذي دشن حملة التطعيم وأخذ اللقاح، ولا يريد أن يتفاعل بعيداً ليؤكد أنه عنصر إيجابي في القضايا الإنسانية العالمية، كما فعلت بعض الدول ومنها السعودية بإصدار "الجواز الصحي"، بل خرج "المرشد" الإيراني بأفكار "عكس التيار الإنساني" ليخرج الشعب الإيراني بقوة السلطة عن طبيعته البشرية.

موقف "المرشد" غريب من الناحية الإنسانية، لأنه كمن يدعو إلى تهديد الأمن المجتمعي في العالم، خاصة أن النظام الإيراني تسبب بموقفه في بداية الجائحة بأن تكون بلاده "بؤرة" أزمة في المنطقة، خاصة في العراق، حيث المزارات الدينية، بل إنه يمعن في تجاهل وعي الشعب الإيراني بحقيقة مساعي هذا النظام من حروبه مع العالم ونتائجها الخاسرة مادياً وسياسياً.

هناك حالة من الغضب من الشباب الإيراني، خاصة من طريقة تعاطي نظام بلاده مع القضايا التي يتشارك فيها مع العالم إنسانياً، فهو لا يؤمن بتلك النظرية القائمة على أن المجتمع الدولي متآمر عليه، والتي تسود كل تفاعل إنساني في حياته، فهو يرى مع كل يوم جديد نجاحاً في جواره يقابله فشل في بلاده، مع أن نظامه يدّعي النجاح الوهمي.