قمة العشرين... زمن اغتنام الفرص

10:44

2020-11-20

إميل أمين

دبي - الشروق العربي - حين نرى أن قمة العشرين التي تستضيفها المملكة العربية السعودية هي قمة استثنائية تأتي في ظروف غير مسبوقة، فإننا لا نغالي في القول، ذلك أن الأجواء العالمية المحيطة بها تبدو خارج إطار المألوف والمعروف والموصوف، وفي المقدمة منها تلك الجائحة التي نتجت عن تفشي فيروس شائه لا أحد يعرف على وجه الدقة كيفية ملاقاته، ما جعل نهار البشرية قلقاً، وحوَّل ليلها أرقاً، فيما تسببت الجائحة في أزمة اقتصادية قد تطفو استحقاقاتها على سطح الأحداث عما قريب.
عطفاً على الجائحة نجد أوضاعاً مناخية متردية، تكاد تتهدد الإنسانية إن استمرأت حالة التغافل والعمل على الضد من الطبيعة، وهناك من وراء المحيط حالة اضطراب سياسي غير اعتيادية حول نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية، وفي الشرق الآسيوي صراع على مراكز القطبية المتقدمة، فيما أوروبا العجوز تبدو خارج سياقات الفعل أو التأثير.
ترفع قمة العشرين شعار «اغتنام فرص القرن الحادي والعشرين للجميع». لذا فإنَّ العالم يحتاج إلى إرادة موحدة لمواجهة العقبات الكأداء التي تجابهه، وهنا يتذكر المرء أنه حين تسلمت السعودية رئاسة القمة في الأول من ديسمبر (كانون الأول) 2019، صرح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأن المملكة ستسعى إلى تعزيز التوافق العالمي، وستعمل مع شركائها في المجموعة للتصدي لكل التحديات التي تقف في وجه البشرية، وسترسخ مبادئ الأمن والاستقرار في كل أرجاء البسيطة.
خلال العام المنصرم ساهمت المملكة مع مجموعة دول العشرين بشكل فاعل، في العمل على استنقاذ الإنسانية من الجائحة المخيفة، وذلك عبر نحو 21 مليار دولار لمكافحة الوباء، بما في ذلك إنتاج اللقاحات وتوزيعها وضخ 11 تريليون دولار لحماية الاقتصاد العالمي، الذي يعاني تبعات الفيروس.
والشاهد أنه رغم ألم اللحظة الحالية وتحدياتها الجسام، فإن إرادة المملكة وقيادتها السديدة، جعلت من اللحظة الآنية فرصة غير معهودة في إظهار الرياض على المسرح العالمي، وكما يليق بها في الحاضر، ناهيك من بسط رؤيتها الطموح أمام المسرح العالمي وكما يحق لها أن تكون.
يمكن القطع بأن قمة مجموعة العشرين تعد أفضل وسيلة في الوقت الراهن لتعزيز الجهود العالمية، من خلال العمل مع قادة العالم ومجموعات التواصل والمنظمات الدولية على مناقشة أبرز التحديات الدولية، والسؤال: ماذا عن تلك التحديات؟
تجيب محاور القمة عن علامة الاستفهام المتقدمة من خلال ثلاثة مرتكزات جوهرية نناقشها بقدر ما يسمح المسطح المتاح للكتابة كالتالي:
أولا: تمكين الإنسان، لا سيما المرأة والشباب، من العيش الكريم والعمل والازدهار، وهذا هو البعد الإنساني الجوهري في أعمال القمة، وذلك من خلال تهيئة الظروف التي تتيح السبل للجميع ضمن أطر شرعية وقانونية، وفي ظل تسهيلات اقتصادية وحياتية.
ثانياً: الحفاظ على كوكب الأرض، وهنا ينبغي النظر إلى هذا السياق الإيكولوجي الذي بات يقلق الجميع، من جراء التغيرات التي تحدث على سطح الكوكب، وتؤثر تأثيراً سلبياً خطيراً على فرص الحياة والنماء للزرع والضرع، للإنسان والحيوان، وبنوع خاص تتوقف أعمال القمة أمام ما يتعلق بالأمن الغذائي والمائي والطاقة.
ثالثاً: الآفاق الرؤيوية الجديدة، بمعنى تشكيل آفاق جديدة من خلال تبني استراتيجيات جريئة وطويلة المدى، لمشاركة منافع الابتكار والتقدم التقني، أي السعي خارج دروب الاتباع والبحث عن مسالك الإبداع، ما يفتح أبواب الفرص للجميع وعن حق.
ما الهدف من هذه القمة على وجه التحديد؟
باختصار غير مخل، إعادة الطمأنينة للإنسانية القلقة المرتجفة، تلك التي باتت تشعر أنها وحيدة في مواجهة الخطر الداهم المتمثل في كوفيد - 19 من جهة، وفي تهديدات عصرانية أخرى من ناحية ثانية، وذلك عبر إجراءات تحول الأمل إلى حقيقة، ومن غير التوقف أمام الشعارات الطنانة والرنانة من غير فعل خلاق مثل تخفيف الديون، وإقرار تدابير أكثر جرأة لتمكين البلدان النامية من مواجهة الأزمة بفعالية، والحؤول دون أن يتحول الركود العالمي إلى كساد عالمي.
أدركت المملكة بشكل سريع وذكي أن العالم في حاجة إلى قيادة غير مسبوقة تكون موحدة في سعيها للاستجابة للأزمة والتعافي بشكل أفضل، وأن الجائحة إنما هي جرس إنذار لجميع القادة، واستشرفت القيادة السعودية الحكيمة أن الانقسام العالمي يعني تعريض الجميع للخطر.
من هنا عملت الرياض طوال العالم الماضي على تعزيز وتأكيد روح الفريق العالمي، والأسرة البشرية الواحدة، لا سيما أن المخاوف الكونية الجسام لا تقابل فرادى بل جماعات ومؤسسات لإدارة التحديات الصحية والاقتصادية، فالعالم مترابط للغاية، ولهذا فإن هناك حاجة إلى العمل معاً، مع احترام النظر والظروف والتقاليد المختلفة.
قمة العشرين في الرياض قد تكون آخر طاقة نور وأمل أمام العولمة لإثبات أهميتها وفاعليتها وخدمتها للبشرية، وربما تبقى مسألة اللقاح الخاص بكورونا هي اختبار العولمة الحقيقي، من خلال توفيره بأسرع وقت وبأكبر كمية، وتوزيعه على بقية أرجاء الكرة الأرضية بثمن يعادل تكاليف إنتاجه وليس أكثر، بل ومساعدة الدول والشعوب الفقيرة في الحصول عليه، وعدم اعتبار الأمر فرصة للتربح ومراكمة الأرباح والثروات، بل فتح نافذة على الآخر المجروح في إنسانيته، بهدف استعادة الروح الإنسانية السليبة في دروب الرأسمالية المتوحشة.
السعودية مدعوة اليوم للعبور بالإنسانية فوق حاجز الخوف والألم عبر قمة العشرين.