ليبيا: نهب وجهوية وبينهما تفاؤل

07:26

2020-09-27

جمعة بوكليب

دبي - الشروق العربي - المتفائلون، على وجه العموم، وفقاً لما يقوله خبراء الصحة النفسية، يعيشون أطول عمراً وأهنأ بالاً من غيرهم، لأن التفاؤل يجعل صاحبه يرى في عتمة النفق بقعة ضوء، فيدرك أنه بقليل من الصبر والعزم والحكمة سوف يتمكن قريباً وحتمياً من الخروج من محنته والتمتع بدفء ضوء نهار فصيح. لكن التفاؤل في عالم السياسة، على وجه الخصوص، مختلف بسبب طبيعة الواقع السياسي وتعقيداته أينما كان، لالتصاقه الشديد بتنافس المصالح بين مختلف فئات المجتمع، مضافاً إليه التزاحم والتصارع بين الأفراد من أجل المجد، والفوز باعتراف التاريخ. وهي سمة لا خلاف عليها، وغاية معترف بها، إلا أن تحقيقها في أغلب الحالات يشتط متجاوزاً استخدام الوسائل السلمية المتاحة والمشروعة.
الساحة الليبية، مؤخراً، حظيت بجرعة متميزة من تفاؤل، ناجم عن تحرك سياسي على عدة مستويات، وفي عدة عواصم عربية وإقليمية وأوروبية، بهدف حلحلة الأزمة، والدفع بها في طريق الوفاق والاتفاق والسلام. هذه الجرعة، على ضآلة حجمها، ضخت بدم أمل جديد في قلوب الليبيين خصوصاً، والمهتمين بالشأن الليبي على وجه العموم. وبدا وكأن العوامل وراء التصلب والعناد في مواقف بعض الأطراف، قد تخلخلت وصار من الممكن التسرب إليها، وزحزحتها عن مواقعها المتخندقة بها منذ وقت طويل نسبياً. وهو أمر بالتأكيد يصنّف تحت خانة الإيجاب، ويوقظ الآمال في النفوس، خصوصاً بعد إعلان رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، في بيان بُث تلفزيونياً، في الأيام القليلة الماضية، عن استعداده لترك المسرح السياسي، بتقديم استقالته بحلول نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول)، لتسهيل إعداد الخشبة، لتغيرات سياسية لمرحلة انتقالية، تمهيداً للانتقال لمرحلة ما بعد «اتفاق الصخيرات»، وهو الاتفاق الذي تستند عليه شرعية المجلس الرئاسي والأجسام الأخرى منذ عام 2015.
تلك الأحداث المفاجئة والمتسارعة، جعلت أسئلة عديدة تطل برؤوسها، بحثاً عن إجابات يصعب العثور عليها في بيئة سياسية تميّزت بفقدان الشفافية، وضحالة الموروث السياسي، وسيطرة البندقية على صناعة القرارات، وانفراط حبات العقد الاجتماعي الذي كان سائداً لقرابة نصف قرن أو يزيد، مضافاً إلى هذه العوامل حقيقة أن القرار الليبي المستقل لم يعد له وجود، وأن التدخل الأجنبي في الشأن الليبي مسألة ليست خافية على أحد. وبالتالي، فإن التحركات السياسية الأخيرة، رغم ما أحضرته معها من تفاؤل، كانت خاضعة لظروف ومفاوضات سرّية، تمت وراء أبواب مغلقة خارج ليبيا، وبين أطراف خارجية عديدة، آخذين في الاعتبار حقيقة أن الأطراف الليبية، كما أبانت الأيام، ليسوا سوى بيادق يتم تحريكهم على رقعة كبيرة، ونقلهم بطائرات خاصة من عاصمة لعاصمة، بغرض التوقيع على ما تمّ الاتفاق عليه بين المتنافسين الخارجيين أصحاب المصالح المتضاربة. ورغم كل ذلك، فإن لا أحد، حتى الآن، يتجرأ برفع عقيرته بسؤال عن الكيفية التي سيتم بها تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مؤخراً خلال التفاوض، في وجود جماعات مسلحة تنتشر متمددة على كامل التراب الليبي، بأشكال متعددة، ورايات مختلفة، ولم يصدر عن أي منها بيان يؤكد تأييدها لمخرجات التفاوض، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، ماذا عن خلفية الظروف التي أدت إلى قرار السيد السراج باستعداده لمغادرة المسرح. المتابعون لما يحدث في الساحة الليبية سياسياً، يدركون أن قرار السيد السراج ليس قراراً بمشيئته الحرة وكامل إرادته، خصوصاً في هذا الوقت. وهم يعلمون أن أوقاتاً وظروفاً، خلال السنوات الماضية، كانت مواتية أكثر لترك الساحة، بل في الحقيقة كانت تستلزم منه المغادرة، لكنه تحدّى تلك الظروف، مصراً على البقاء. وهذا بدوره يقود إلى الاستنتاج بأن السيد السراج اضطر اضطراراً، ودُفع دَفعاً لمغادرة الساحة. السؤال من يقف وراء ذلك، وما المقابل؟ ومن البديل المطروح، في ساحة غبارها لا يهدأ، من شدة التسابق والتنافس المميت على الغنائم والمناصب؟
المحاصصة الطائفية، التي كانت، وما زالت حتى يومنا هذا، لعنة كارثية تحول بين بلد عربي - لبنان - وبين الخروج من المحنة التي انفجرت في الحرب الأهلية عام 1973، وأصابته بالشلل والخراب، وحرمت أهله من العيش في أمان ووئام وسلام، انتقلت إلى ليبيا بتغييرات طفيفة، أي بإلباسها صيغة جهوية. ومثل ما حدث في لبنان، فليبيا ما زالت إلى وقتنا هذا تحظى بعلم واحد، ونشيد واحد، وداخل حدود معترف بها دولياً، لكنها في حقيقة الأمر، وواقعياً، بلد مقسوم على نفسه، وتقوده وتتحكم في مصائره ميليشيات جهوية وعقائدية ولصوصية تمتد وتنتشر كخلايا سرطانية مهلكة، وبهدف واحد يجمعها ممثلاً في تقاتلها من أجل نهب المال العام، ونشر الفساد والخراب في النفوس والبنيان.
إن صدقت الأخبار والتسريبات، ودخل الاتفاق الأخير، بين الأطراف المتنازعة، حيز التنفيذ، وحُلت الجماعات المسلحة، فإن دخل البلاد من الثروة النفطية والغاز سوف يقسم محاصصة بين إقليمين (طرابلس الغرب - برقة)، ويستثنى منه إقليم فزان!! والمناصب في مقاعد الحكومة وتراتبيتها، وغيرها من المؤسسات السيادية والاقتصادية تم الاتفاق فعلياً على توزيعها محاصصة، وبالأسماء!!
فهل أخبار كهذه مدعاة لتفاؤل، وكيف؟