ترمب و«تويتر»... الترشيد هو الحل

06:31

2020-06-02

د. حسن أبو طالب

دبي - الشروق العربي - الأزمة المتصاعدة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وموقع التغريد الأشهر «تويتر» والمملوك لعملاق الاتصالات «غوغل»، تفتح الباب أمام تحولات كبرى مهمة في طبيعة عمل شركات التواصل الاجتماعى شريطة أن ينجح الرئيس الأميركي والنواب الجمهوريون فى تعديل القسم 230 من قانون آداب الاتصالات، وهو القانون الذي يمنح تلك الشركات حصانة قانونية من المساءلة أمام القضاء الأميركي باعتبارها غير مسؤولة عن المحتوى التحريري الذي تكتبه أطراف ثالثة هم أصحاب الحسابات التي تنشرها تلك المواقع. ورغم أنها حصانة قانونية أميركية بالأساس فإنها تمنح تلك الشركات قوة معنوية وقانونية وهيمنة أمام الحكومات الأخرى إذا أرادت أن تقيد أو تنظم طريقة عمل تلك الشركات بما يتلاءم مع البيئة المحلية وظروفها. وكم من مرة سعت حكومات دول لوضع ضوابط قانونية، ولكنها فشلت نظراً لقوة الحماية التي تضفيها مؤسسات الدولة الأميركية على تلك الشركات، باعتبارها امتداداً للقوة الناعمة الأميركية من جانب، وأنها تعمل على تغيير البيئات المحلية تحت شعار حرية الرأي والتعبير من جانب آخر، ما يمثل امتداداً للقيم الأميركية الداعمة للديمقراطية وتغيير المجتمعات سلمياً وتدريجياً، التي تعمل على نشرها الجهات المسؤولة عبر العالم كله.
العلاقة بين الرئيس ترمب وموقع «تويتر» تحديداً ذات طابع خاص؛ كلاهما أفاد الآخر واستفاد منه. فمع انتخاب ترمب رئيساً للولايات المتحدة وتوليه الحكم في 2017 ومواقفه السلبية تجاه وسائل الإعلام الأميركية الكبرى، واعتماده بدرجة كبيرة على تغريداته للتواصل مع مؤيديه وللتعبير عن مواقفه وطرح أفكاره بالنسبة للقضايا الأميركية والدولية، اكتسب موقع «تويتر» مكانة كبيرة، بعد أن كان في العامين السابقين على وشك الخروج من حلبة المنافسة للمواقع الأخرى التي توفر التواصل الاجتماعي كـ«إنستغرام» و«سناب شات» و«فيسبوك» وغيرها، فكل المهتمين من الأميركيين وغير الأميركيين لمواقف ترمب بات عليهم الاشتراك في الموقع، ما رفع عدد المشتركين إلى أكثر من 1.2 مليار حساب في غضون عامين، منهم 80 مليون متابع لتغريدات ترمب، وكثير منهم كان يعيد التغريد بتغريداته، ما أسهم في نشرها على نطاق واسع وباتت محل مناقشات وحوارات في كثير من وسائل الإعلام العالمية والمحلية.
في ضوء هذه العلاقة المصلحية بين الطرفين، فإن تعريف طبيعة الأزمة بين البيت الأبيض وشركات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث العملاقة يعد خطوة مهمة قبل الغوص في تأمل التداعيات المحتملة، فمن جانب الرئيس ترمب فإن موقع «تويتر» أساء استخدام سلطته عند التنبيه على إحدى تغريداته باعتبارها تمجد العنف، وتنبيه آخر للمتابعين لتغريدة أخرى بالعودة إلى الحقائق، ما يعني تكذيباً مباشراً لمضمون التغريدة الرئاسية. المفارقة هنا أن الموقع نشر التغريدتين رغم أنهما تتنافيان مع الضوابط التي يعمل على هديها. والسبب الذي استند إليه الموقع هو أن الرئيس الأميركي شخصية عامة، فلم تُحذف التغريدة، وسمح بنشرها مصحوبة بالتنبيه الذي اعتبره الرئيس ترمب بمثابة تكميم للأفواه، وليس من حق الموقع أن يحدد سمة معينة ذات طابع انحيازي أو تمييزي لإحدى التغريدات. الموقع بدوره رأى أنه يطبق سياسة معلنة ولا يفرق فيها بين شخص مسؤول أو آخر عادي، أي أنه موقع يدير منتدى للأفكار والآراء، نافياً أن يكون منحازاً سياسياً أو فئوياً، وبكلمات حادة وصفت الشركة المالكة لـ«تويتر» مرسوم الرئيس ترمب التنفيذي بأنه يعد نهجاً رجعياً ومسيّساً يتناقض مع الدفاع عن الابتكار الأميركي وحرية التعبير وحرية التعبير على الإنترنت.
موقف الرئيس ترمب الذي عبر عن نفسه بتوقيع قرار تنفيذي بإعادة النظر في طبيعة الحصانة القانونية الممنوحة لشركات الاتصالات والتواصل الاجتماعي التي يوفرها القسم 230 من قانون آداب الاتصالات الخاص بهذه الشركات، يستند فرضاً إلى أن التدخل الذي قام به موقع «تويتر» عبر إضافة تنبيه قد أعاد توصيف عمل هذه الشركات من مجرد جهة تنظيمية لمنتدى مفتوح يعبر خلاله الأشخاص من كل الجنسيات عما يدور في عقولهم ونفوسهم تجاه كل شيء ومن دون استثناء، إلى جهة ناشرة ينطبق عليها قوانين النشر التي تتيح العقاب إذا أساءت شركة النشر وتدخلت بالتحرير المباشر للنص سواء بالحذف أو بالإضافة من دون موافقة صاحب الرأي. وفي الأفق اتجاهات أخرى لمحاسبة هذه الشركات باعتبارها تنتهك العقوبات المفروضة على إيران وتتيح لبعض المسؤولين الإيرانيين استخدام تلك الوسائط الاتصالية وبث المواقف الإيرانية عبرها، بل واعتبارها منحازة للموقف الصيني بشأن تفشي وباء فيروس «كوفيد - 19»، وأنها قد تُعاقب لأسباب تتعلق بمدى التزامها بدفع الضرائب. وفق هذا المنطق لم تعد تلك الشركات محايدة بل منحازة ومتجاوزة للقوانين الأميركية ذاتها، ما يستوجب معاملتها بطريقة أخرى، وهنا جوهر المعركة الضروس التي سوف يشهدها العالم في الأشهر المقبلة.
منطق الرئيس ترمب رغم وجاهته السياسية والقانونية يمثل شقاً أقل بكثير مما تقوم به هذه الشركات العملاقة من أدوار في الواقع، فهناك سمة الاحتكار التي تميز هذه الشركات في مجال الاتصالات أميركياً وعالمياً، وهو احتكار يشمل نطاقات عدة كالإعلان الذي يُفرض على المتابع من دون إرادته، ومن دون أن تحصل المواقع المحلية في كل بلدان العالم على عائد مناسب مقابل نشر الإعلانات إجبارياً وبدون أدنى تدخل منها، بينما تحصل الشركات الأم على عوائد إعلانية ضخمة، فضلاً عن عدم دفع الضرائب للسلطات المحلية، مستندة إلى الحصانة الأميركية، وتقوم بجمع بيانات شخصية تفصيلية - معلومات وصور وأحداث وانتقالات - عن كل المتابعين من دون أن يعرف أصحابها كيف يتم التعامل مع هذه البيانات، وبدون قدرتهم على حذف تلك البيانات حين يريدون. وهو احتكار يحمي كثيراً جداً من الحسابات الوهمية التي تنشر مساحات هائلة من الأخبار الكاذبة والمُضللة حول شتى الموضوعات ما يثير البلبلة والأزمات المجتمعية في كثير من المجتمعات، الأكثر من ذلك أتاح هذا الاحتكار فرصاً هائلة لمجموعات الأخبار المُضللة أن تؤثر على صناعة الصحافة الموثوقة ذات المسؤولية المجتمعية، وكثير من مؤسساتها العريقة في بلدان مختلفة آثر الاختفاء والاكتفاء بما كان بعد أن فُقد القارئ والمُعلن معاً.
الانتقادات التي توجه لهذه الشركات كثيرة، لكنها لا تخفي حقيقة أنها أضافت لحياة الفرد العادي والخبير والمتخصص والناشط وكل الفئات بدون استثناء، بما يجعل اختفاء تلك الشركات وما تقدمه من خدمات وتواصل مفتوح بلا قيود لنحو 45 في المائة من سكان العالم أمراً لا يمكن تخيله، ولذا يظل خيار إعادة هيكلة تلك الشركات بما يقيد جوانبها السلبية هو الأكثر واقعية، مع ترشيد أدوارها الإيجابية بما يفيد فقط كل ما هو صادق ورشيد لخدمة الإنسانية.