شاهدة على نساء الإخوان.. كيف تُصنعُ امرأة تنظيمية؟

16:59

2020-02-20

دبي - الشروق العربي - اتحدت تنظيمات الإسلام السياسي على مواقفها من المرأة باعتبارها الضامن لاستمرار التنظيم، والنواة الرئيسية لحواضنه المجتمعية والمتصدرة للمعارك التنظيمية حتى وإن استدعى الأمر التضحية بحياتها أو حريتها، رغم عدم تصدرها لأي مشهد قيادي تنظيمي أو مشاركتها في صناعة أي من قراراته أو توجهاته.

المرأة في هذا التصور هي كائن تابع مضمون ولاؤه ومأمون تمرده. امرأة وصلت إلى حد القدرة على تقديم أبنائها للتنظيمات ليتم قتلهم بأحزمة ناسفة أو في ساحات المعارك بين التنظيم والأنظمة. الأمر الذي يعادي الفطرة الإنسانية وحتى الحيوانية فما شهدت البرية قط أما تهدي صغارها لوحوش الغابة أو تقبل أن يمسهم سوء.

إحداهن تقول: كنتُ واحدة ضمن هؤلاء منذ تفتح وعيي في بيت قيادي بتنظيم الإخوان، تنوع نطاق عمله التنظيمي بين مصر وخارجها. جبت مع أبي بلادا عديدة واستقبل بيتنا الوفود التنظيمية من جنسيات مختلفة. وفي بيوت قادة التنظيم تختلف الرؤية كلياً عما تراه أعين أي قاعدية. في بيوت القادة حيث تنتظمُ اجتماعات المستويات القيادية التنظيمية للاتفاق على إدارة القواعد وكيف تتم؟

وفي اجتماعات القادة تكون الحوارات أكثر انفتاحا، حيث يجتمع من تصفهم القواعد التنظيمية بـ”إخواننا اللي فوق”، وصفتهم المؤكدة لدى كل القواعد أنهم يعلمون ويدركون ما لا يدركه الإخوة الأدنى تنظيميا (اللي تحت).

في بيت القيادي التنظيمي الذي لقي حتفه أثناء فض اعتصام رابعة العدوية بالقاهرة في أغسطس 2013، تفتح وعيي على حلم واحد هو أن أكون زوجة لخليفة المسلمين القادم، ودوري هو صناعته حتى لو تحتم علي أن أعمل للوصول لأعلى منصب رسمي يمكنني الوصول إليه بعملي، ثم أسلمه كاملا للتنظيم ليتولاه أحد الرجال التنظيميين، حيث لا ولاية للمرأة ولا شرع يجيز لها أن تتصدر المشاهد حتى لا “تفتُنَ من في قلبه هوى” لو شاهدها، مثلما وجهني مراراً الأخوات التنظيميات المسؤولات عن متابعتي داخل الأسرة التربوية.

مع مرور السنوات داخل بيت قيادي تنظيمي تعرت كل الوجوه القبيحة المستترة خلف قناع الدين وتجلت التشوهات النفسية للمسؤولين والمكبوتين داخل ذلك العالم، وأصبح الإحساس الطاغي أن دين الله بريء من كل هذا، ولو أن هناك عداء حقيقيا لدين الله على هذه الأرض فقادته هم قادة التنظيم، ولو أن هناك مسؤولاً عن نسب الإلحاد في العالم العربي فلن يكون سوى تنظيم يستخدم كل فنون لي ذراع الدين وصناعة شخصيات مشوهة تدعي حمله والدعوة إليه.

الأسئلة الحائرة

أسأل نفسي الآن بعد أن نجوت من ذلك العالم ومعي صغيري ابن العشرة أعوام الآن، وابن الأربعة حينها، كيف كنت ضمن ذلك العالم ولو لمجرد سنوات عمري الأولى؟ كيف آمنت؟ وكيف مازال يؤمن غيري؟ كيف قبلت في لقاء جمعني برئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس خالد مشعل، أن أضحك ضمن الضاحكين عندما سألَتْه ابنة قيادي تنظيمي من الرعيل الأول؛ متى نرى المرأة في مكتب إرشاد الجماعة أو المكتب السياسي لحماس؟ فضحك ضحكة ساخرة، ثم قال عندما يتحرر الأقصى.

لم أجد إجابة منطقية واحدة تفسر ذلك الانسحاق إلا سرا يكمن في المنهج الذي تتلقاه المرأة داخل التنظيم، فيحيلها إلى كائن بعيد عن الفطرة الإنسانية ويضمن بقاءها ضمن عالم تنظيمي لا فكاك منه.

المنهج عبارة عن موضوعات توافق على إقرار تدريسها للمرأة كل من قسمي الأخوات والتربية بالتنظيم، ورغم أن الأول يحمل توصيفا نسائيا، غير أن المرأة التنظيمية لا تتمثل في أي مستوى من مستويات الإدارة وصنع القرار، وأقصى مستوى تنظيمي لها هو أن تكون مسؤولة عن المشرفات التربويات داخل شعبتها لترفع تقارير عنهن للأخ التنظيمي المعني بالشعبة، وهي أصغر وحدات التنظيم الجغرافية.

أول منهج أُقرَّ للأخوات كان في العام 1988 في عهد محمد حامد أبوالنصر، المرشد الرابع لجماعة الإخوان المسلمين، وتمثل في توجيهات لتعليم الأخوات عدة موضوعات من مصادر تنظيمية مختلفة، وما زالت تلك المصادر موجودة حتى الآن وتتمثل في كتب تقوم بإهدائها الأخوات الداعيات لمن يرون في هن قابلية للانضمام للتنظيم مستقبلا.

ثم تطور المنهج حيث تم جمع كافة الموضوعات من المصادر المتفرقة وضمها في سلسلة كتب متدرجة تحمل عنوان “في رياض الجنة”، مقسم كل جزء منها لعدة أقسام تضم القرآن والتفسير والحديث والفقه والعقيدة، وموضوعات أخرى تقع تحت بند المنهج الفكري، حيث معلومات يحدد فيها التنظيم أن الأخت لابد أن تكون على علم بها، وتدرس كل الأخوات “رياض الجنة” في كافة المستويات التنظيمية.

أما زوجات الإخوة التنظيميين وبنات أعضاء التنظيم، فيتم إخضاعهن لمنهجين إضافيين. فالفتاة التنظيمية يتفتح وعيها مع منهج تنظيمي موجه للأطفال أو حسب توصيفهم داخل التنظيم “الأشبال والزهرات”. يحمل المنهج عنوان “الرشاد في تربية الأبناء”، وهو سلسلة كتب تضم نفس الأقسام السابقة في منهج الأخوات مع تبسيطها لتقترب من مستوى استيعاب الأطفال.

يضاف لزوجات الإخوة دراسة كتاب “التربية الإيمانية والدعوية للمرأة المسلمة” لكاتبه عضو مكتب الإرشاد السابق جمعة أمين عبدالعزيز، والمعني بقسم الأخوات حتى وفاته عام 2015. وهو منهاج يضم نفس التقسيمات السابقة مضافاً لها

توجيهات عملية واجبة التنفيذ، ويختم بشرح “الأصول العشرين” لمؤسس التنظيم حسن البنا، باعتبارها الأصول الرئيسية لفهم الدين الإسلامي فهما صحيحا. والحق أنها أصول الدين التنظيمي الذي يجب على الأعضاء اتباعه بحذافيره لضمان البقاء داخله، بزعم أنهم “وكلاء الله في الأرض وورثة الأنبياء والمرسلين في حمل الرسالة”.

وتضاف كتب أخرى إلى المنهج في حال كون الأخت التنظيمية مشرفة على عدد من الأخوات الأخريات، أو في حال كونها زوجة قيادي أو فاعلة في العمل العام الذي

يضمن التنظيم من خلاله انتشار حواضنه المجتمعية وكتله التصويتية. ويحدد الكتاب أو المنهج الإضافي وفق الدور المنوط بالأخت القيام به في ظل التوجيهات التنظيمية من القادة أو “الإخوة اللي فوق”.

استعدادات نفسية

حتى تتم دراسة المنهج داخل عالم التنظيم يتم تقسيم أخوات كل منطقة إلى مجموعات تسمى “الأسر التربوية”، وتضم كل أسرة من 5 إلى 10 من الأخوات بحد أقصى، ويتم تعيين إحداهن مسؤولة عن إدارة تدريس المنهج داخل الأسرة، ويتم التعيين من قبل الأخ مسؤول المنطقة المعني بالأخوات فيها.

تلتقي الأسرة التربوية في منزل إحدى الأخوات مرة كل أسبوع. تبدأ الجلسة بما يشبه جلسات التأمل التي تنتقل بالعقل إلى مستوى آخر من الزمان والمكان. والتأمل هنا لوضع الأخت في حالة نفسية تجعلها قابلة لتلقي أي شيء وكل شيء.

تبدأ الجلسة بتذكير مشرفة الأسرة للأخوات بضرورة استحضارهن لإحساس أن الملائكة تحفّهن الآن وتحضر جلستهن، اعتمادا على حديث نبوي “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده”.

وبعد استحضار الأخوات لحالة حضور الملائكة بينهن، تطالبهن المشرفة بذكر نواياهن من اللقاء، وتبدأ هي أولاً في سرد نواياها التي يجب أن ترتبط كلها بهدف رباني لحضور الأسرة التنظيمية مثل، الامتثال لأمر الله للمسلمين بالتجمع، والعمل على نصرة الإسلام، وفهم الأمور الدينية فهما صحيحا ومن ثم دعوة العالم لإتباعها.

تنتقل المشرفة لترديد أذكار الصباح أو المساء، بحسب موعد الأسرة وتتم قراءة الأذكار من كتاب “المأثورات” لمؤسس التنظيم حسن البنا، يتبعها قراءة “ورد الرابطة” الذي ابتدعه البنا ضمن الأذكار، وحتى تتم قراءة ورد الرابطة كما أوصى المؤسس يكون على الحاضرات إغماض أعينهن واستشعار حال إخوانهم المسلمين وما يعانونه من أزمات على مستوى العالم، واستحضار حال الإخوة في السجون بأي مكان في الأرض.

مع هذه الحالة النفسية يبدأ ترديد نص الورد التنظيمي “اللهم إن هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، فاغفر لنا، اللهم إن كنت تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك فوثق اللهم مرابطتها وأدم ودها وأهدها سبلها، وإملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير”.

ورغم أن النص يذكر إدبار النهار وإقبال الليل ما يعني أنه ذكر في المساء، إلا أن الأخوات يرددنه في أي موعد للأسرة بتبرير أن توقيت الاجتماع يتوافق مع بداية ليل في مكان ما على الكوكب.

تنتقل الأخوات في ما بعد للبدء بتلاوة آيات القرآن المحددة والمقسمة في المنهج، وتكون كل أخت قد سبق تكليفها بمراجعة درس من قسم من أقسام المنهج تقوم بشرحه لرفيقاتها في الأسرة، وتختتم الأسرة بتسليم كل أخت لـ”جدول المتابعة” الخاص بها والذي تذكر فيه كم صلاة أقامت خلال الأسبوع وكم دعاء ابتهلت به، وكل فعل قامت به يقع تحت بنود العلاقة مع الله أو مع الناس أو مع النفس.

علاوة على جداول تكون مع ختام كل جزء من المنهج وجداول أخرى خاصة بموضوعات بعينها يستحدثها قسم الأخوات ولجنة المنهج وقسم التربية في حال وجود هدف بعينه يستهدف التنظيم تحققه في نفوس وفعل الأخوات.

منهج وثلاثة مستويات

تخضع كل الأخوات لنفس الحال والطقس لتلقي المنهج، ويفرق بينهن في المحتوى الذي يقمن باستقباله مستواهن التنظيمي، حيث يتم تقسيم السيدات داخل التنظيم لتلقي المنهج إلى ثلاثة مستويات: المستوى التمهيدي، المستوى التكويني، مستوى الداعيات.

يعتني بالمستوى التمهيدي سيدات يتم تدريس المنهج لهن بالفعل من قبل عضوات تنظيميات دون إدراك أنهن يستدرجن للشرك التنظيمي، فيمكن أن يتلقينه من الأخت داخل المسجد أو داخل العائلة أو في الجامعة أو النادي أو السوق أو في أي مكان تستطيع فيه الأخت التنظيمية لقاء عدد من النسوة بصورة دورية، وترى فيهن نواة يمكن البناء عليها لضمهن للتنظيم.

أما المستوى التكويني، فيكون لسيدات يدركن بالفعل أنهن داخل التنظيم لكن في البداية، وتدرسه زوجة العضو التنظيمي التي لم تكن من التنظيم قبل الزواج، وعادة ما يكون ذلك لظروف خاصة بالأخ مثل أن يضطر للزواج بقريبته غير المنتمية للجماعة، أو الزوج الذي انضم  للتنظيم بعد زواجه، ولم يخطر زوجته بعد.

ويقوم الرجل بتوجيه زوجته لحضور دروس علم مع زوجات أصدقائه لا أكثر دون إدراك أنها في أسرة تربوية تنظيمية، كي تصبح فاعلة بالفعل في التنظيم ثم تتم مفاجأتها أن زوجها عضو تنظيمي وأصبحت مثله، بعد تلقيها المنهج.

المستوى الثالث، وهو منهج إعداد الداعيات ويتم توجيهه للأخوات اللواتي مرَّ على وجودهن داخل التنظيم مدى زمني طويل، وأثبتن الولاء للفكرة وانسحاقا تاما معها ويجب أن يكنّ أزواجا لرجال تنظيميين، ولذلك حتى يضمن التنظيم ولاءهن ويثق في تمكنه منهن تماما.

عن المناهج الثلاثة، يذكر جمعة أمين، نائب مرشد الإخوان حتى وفاته، داخل كتاب المنهج الموجه للأخوات الداعيات واللواتي سوف يقمن بالإشراف في ما بعد على دسه في عقول نسوة أخريات، تحت عنوان المنهج المتبع “تتبع هذه الدراسة المنهج الاستنباطي، وفيه يربط العقل بين المقدمات والنتائج وبين الأشياء وعللها على أساس المنطق والتأمل الذهني، فهو يبدأ بالكليات ليصل منها إلى الجزئيات من أجل وضع إطار نظري يمكن الانطلاق منه لتفسير كثير من المواقف السلوكية وضبطها بإطار من القيم السوية والمنطق السليم والمنهج يعتمد على المرجعية الإسلامية من القرآن والحديث الشريف والسلف الصالح من هذه الأمة وبعض كتابات العلماء والأئمة”.

وأقر جمعة أمين، وهو المعني الأول بوضع المناهج داخل الجماعة، أنه صنع شيئا بدقة بهدف إنتاج امرأة وفق مواصفات حددها رجال التنظيم. وكون المنهج يحمل اسمه فلا يعني أبدا أنه واضعه وحده إنما هو المستفيد ماديا من كتبه، أما المحتوى فقد عملت عليه لجان وأقسام عدة وقامت بتسليمه رؤاها، وقام بالصياغة النهائية وامتلك حقوق الطبع والتوزيع.

ومهما كان الكاتب الحقيقي، إلا أنها في حد ذاتها كلمات مؤكدة أنه بالوقوف على تفاصيل المنهج يمكن تفسير التكوين النفسي والفكري للمرأة التنظيمية، وفهم الأسباب التي دفعتها للقبول أن تكون درعاً بشرياً في معارك التنظيم، وكيف تعود لآخر الصفوف بعد التمكين التنظيمي وانقضاء المعركة.