التدخل في ليبيا وخريف إردوغان

14:23

2020-01-11

جمال الكشكي

دبي - الشروق العربي - ضاقت به أحلام الواقع، فعاش أوهام الخلاء.
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، لم يتعلم من دروس الماضي. نصّب نفسه الوريث، ونسي أن التركة ملطخة بالدماء. تجاهل قراءة الجغرافيا، ورسب في اختبار التاريخ. ابن تجربة أغرقت المنطقة العربية في الفتن والمؤامرات، قدّمتها بحذافيرها «تسليم مفتاح» لجميع أنواع الاستعمار.
راهن على حكم العثمانية الجديدة وتوسيع نفوذه في المنطقة. بذل قصارى جهده في دعم حكم الإرهاب في مصر.
يكره الرقم 30، فثورة 30 يونيو (حزيران)، أعطته درساً بعلم الوصول؛ إذ تم عزل حكم المرشد، ولم تعد مصر بالنسبة إليه بوابة الدخول إلى الإقليم، كما كان يتمني.
تهاوى هو وحلفاؤه في التنظيم الدولي للإرهاب. تصدعت جدران الاستقرار والاقتصاد في الداخل التركي. اشتدّ عود المعارضة له. قالت إسطنبول كلمتها أمام صناديق الاقتراع، وبشّرت بعمدة جديد لإسطنبول، ربما تقوده الأقدار قريباً لكتابة النهاية الإردوغانية في المشهد السياسي التركي.
تضاربت الحسابات في عقل وريث الدم... شركاؤه في «العدالة والتنمية» ابتعدوا واحداً تلو الآخر.
فكّر في الهروب إلى الأمام لتقديم نفسه من جديد أمام الرأي العام الإقليمي والدولي. احتلّ شمال شرقي سوريا. اعتقد أنها خطوة ضمن مساحات استعادة أمجاد أجداده. فشل في هذه المهمة. أربكته حسابات «الكرملين» في المشهد السوري فلم يصمد كثيراً. برر فشله بنقل المعركة إلى ليبيا.
تحالَف مع السراج، ورأى أن الغرب الليبي ضمن الميراث العثماني، وأغفل أن جزر بحر إيجة شاهدة على فضيحتهم بتسليم ليبيا للفاشية الإيطالية. عقد اتفاقيتين، وأقرّ برلمانه إرسال مرتزقة لدعم الإرهابيين في طرابلس. صدّق أن الأوهام يمكن أن تصبح حقيقة.
لفظته أمواج شرق المتوسط بقرار أصحاب الحقوق والسيادة والمناطق الاقتصادية الخالصة. ظن أنه سيكون وصياً على نفط وغاز غرب ليبيا، وضع لنفسه خطة زمنية، لم يستطع الانتظار لتنفيذها في الموعد، بل إنه عجّل بإرسال القوات العسكرية والميليشيات وجماعات التطرف إلى مصراتة وطرابلس.
حاول عقد صفقات دولية وإقليمية لغض الطرف عن انتهاكاته في الغرب الليبي، فصدمته المواقف الدولية والإقليمية بالرفض القاطع. لم يدرك أن قواعد اللعبة مع أجداده اختلفت عن حسابات هذا الزمان.
فالقوى الدولية لم ولن تسمح له بتنفيذ مخططاته في ليبيا.
الولايات المتحدة لها معادلاتها الخاصة، فهي لا تريد عودة الميليشيات للسيطرة على حقول الهلال النفطي، فالرئيس الأميركي ترمب لن يتحمل مجازفات نفطية، وهو على أعتاب عام انتخابي لدورة جديدة.
إردوغان يقفز في الهواء دون وعي بأن معركة النفط العالمية، ليست في صالح أهدافه في ليبيا.
لم يفهم أن صادرات النفط تراجعت من فنزويلا وإيران، فزادت من حاجة العالم إلى النفط الليبي.
أما الموقف الإيطالي فتحكمه هندسة المصالح. أصدقاء الأمس يرفضون تجاوزات الحليف القديم. إيطاليا تريد الحفاظ على مكتسبات شركاتها النفطية التي تعمل في شرق المتوسط، وعينها على مليارات الدولارات التي ستجنيها من عبور أنابيب النفط في أراضيها، وهذا ما يتعارض مع اتفاقية إردوغان - السراج.
سوء تقدير الرئيس التركي دفعه بامتياز إلى خسارة الأصدقاء المحتملين. دهاء رجل «الكي جي بي» يمكّنه دائماً من اللعب بعقل سليل خصومه التاريخيين. بوتين قيصر الكرملين لن يقدم مكاسب محتملة على طبق من فضة لأنقرة. فدخول إردوغان إلى الغرب الليبي يشكل قوة مانعة للنفوذ الروسي الحالم بعودة العلاقة الخاصة بين روسيا وليبيا إلى ما قبل فبراير (شباط) 2011، ناهيك بأن موسكو لديها أحلام اقتصادية واستثمارية ونفطية في منطقة تعدها بوابتها إلى المغرب العربي.
إذاً، الحلفاء ينفضّون واحداً تلو الآخر. الماكينة الألمانية تقود الموقف الأوروبي تجاه إردوغان. ترفض الوقوف ضد ليبيا.
برلين لن تفرط في استقرار شرق المتوسط، وهي أيضاً غير جاهزة لسداد فواتير موجة جديدة للهجرة غير الشرعية، كما أنها لن تسمح بأن تصبح وجهة للإرهاب والتطرف القادم عبر سواحل ليبيا الغربية، فضلاً عن رفضها التام لأن تصبح رهينة للغاز الروسي بخطيه الأوكراني والـ«نورد ستريم 2».
هذه هي مواقف أوروبا وأميركا تجاه التدخل في الغرب الليبي، ويبدو أن إردوغان كان يعتقد أن ميراث أجداده في تسليم المنطقة العربية للاستعمار سيشفع له في الحاضر. راهن على التاريخ، لكن لم يدرك أن معادلات المصالح الآن أقوى من ذاكرة الماضي التي تفوح منها رائحة الدم.
اللافت هنا أن استراتيجية إردوغان فيما هو قادم تصطدم بعدة عراقيل في مقدمتها التاريخ الأسود والدموي لأجداده في المنطقة العربية والإقليم، إذ لم يترك العثمانيون بقعة دخلوها إلا وقتلوا وسفكوا ونكّلوا بأطفالها وشبابها وشيوخها ومثّلوا بجثثهم.
مزقوا أجساد المجتمعات العربية، وأهانوا مؤسساتها، ومارسوا كل صنوف التخريب والفوضى والهدم، حتى سلّموها للاستعمار الذي لا تزال آثاره المريرة تلاحق حاضر الشعوب العربية حتى الآن.
هذه الجرائم العثمانية لا تزال كابوساً ولن تسمح الدول العربية بتكراره مرة ثانية، وستقف بكل قوة لمواجهة هذه الأخطار التي تهدد الأمن القومي العربي.
أيضاً إحدى العراقيل تلك التي عبّر عنها الشعب التركي في عدد من استطلاعات الرأي، إذ قال67% من الشعب التركي إنهم ضد اتفاقية «السراج – إردوغان»، وإنهم ضد إرسال قوات تركية إلى ليبيا، وإنهم يخشون تكرار تجربة الفشل في سوريا. هذا فضلاً عن أن الظرف الاقتصادي في الداخل التركي لا يسمح بمثل هذه المغامرات في الخارج، وذلك في ظل تراجع الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وتراكم الديون الخارجية التي وصلت إلى 490 مليار دولار، حسب تقديرات البنك المركزي الأوروبي.
إذاً، كل الشواهد تقول إن إردوغان يسير في الطريق الخطأ، وإنه في أقرب توقيت سيبحث عن مخرج جديد لإنقاذه وإنقاذ ميليشياته الإرهابية.
وسط التداخلات المعقدة التي يعيشها إردوغان وليبيا، هناك عدة سيناريوهات تنتظرها ليبيا في الفترة المقبلة، من بينها: السيناريو المثالي القائم على حسم الجيش الوطني الليبي معركة طرابلس، وإسقاط حكومة السراج، وطرد الميليشيات الإردوغانية في الصحراء الليبية، وإذا تعذر ذلك فقد يكون هناك سيناريو مصراتة، القائم على انتقال المجموعات والميليشيات إلى مصراتة وتحويلها إلى نقطة معارضة للدولة الليبية، وهذا يمثل خطراً كبيراً على أوروبا، خشية انتقال الإرهابيين والمهاجرين غير الشرعيين إليها، أما السيناريو الذي لا يتمناه أحد، فهو تحول الغرب الليبي، خصوصاً طرابلس ومصراتة، إلى قاعدة لتركيا من شأنها التأثير على وحدة وسلامة الدولة الوطنية الليبية، وإن كنت أعتقد أن هذا السيناريو بعيد، وفق حقائق الواقع ومنطق الأحداث.
كل هذه السيناريوهات، وإن اختلفت آلياتها على الأرض، لكنها في النهاية ستقود إلى نتيجة واحدة وهي: خريف إردوغان.