الرياض ـ أبوظبي... التاريخ يصنعه الشجعان

21:51

2019-11-30

إميل أمين

دبي - الشروق العربي - يوماً تلو الآخر تؤكد التجربة البشرية أهمية القائد ونوع القيادة في تغيير حياة البشر عبر الأماكن والأزمنة، وهذا ما يتبدى واضحاً لدى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
جاءت الزيارة الأخيرة للأمير محمد إلى الإمارات في وقت استراتيجي وحيوي على صعيد الكثير من الملفات الاستراتيجية الثنائية، وفي توقيت تشتعل فيه المنطقة بخلافات آنية، كما يخشى المرء من الاضطرابات المستقبلية.
في تغريدة الترحيب بولي العهد السعودي التي كتبها الشيخ محمد بن راشد، حاكم دبي ورئيس مجلس الوزراء في الإمارات، نجده يشير إلى أن «التاريخ يصنعه الشجعان وتاريخ المنطقة اليوم يتغير بسبب محمد بن سلمان».
يمكن القطع بأن الشيخ محمد بن راشد لم يكن يماري أو يغالي في وصفه؛ فقد جاء ولي العهد السعودي في توقيت كانت بلاده والمنطقة في حاجة ماسة فيهما إلى رجل يجدد شباب الأمة ويشحذ همّتها عبر الانفتاح العصراني الذي يوفق بين الأصالة والمعاصرة، وبين الحفاظ على ما هو جوهر الثوابت، وما يتطلبه فقه النوازل أو المستجدات.
تعكس الزيارة الناجحة للأمير محمد إلى الإمارات أهمية القائد الذي يدرك وعيه الذاتي بالقيادة، وعليه فإنه يبادر أول الأمر إلى أن يحدد غاياته بوضوح، وأهدافه بجلاء، واتجاهاته بدقة، وأن يرسم خطوات تكتيكية صغيرة تقود لاحقاً إلى تحقيق استراتيجيته الشاملة الكبرى، أي إلى النتيجة النهائية التي يريد تحقيقها لبلاده.
في مقدمة أهداف ولي العهد الأمير محمد، إعادة تثبيت لأعمدة الخيمة العربية عامة والخليجية خاصة، ولا سيما بعد الأعاصير العاتية التي تعرضت لها منذ بدايات العقد الثاني من هذا القرن العليل بالدوغمائيات المغشوشة والآيديولوجيات المنحولة.
ترسم الزيارة تأكيداً واضحاً من الرياض إلى أبوظبي، على أن ما يربط البلدين هو رابط حيوي واستراتيجي، وأنها شراكة دم وحياة، ومسار ومساق أمل وعمل من أجل صالح الشعبين الشقيقين؛ ولهذا فإن الإرادة تدفع الإدارة في البلدين إلى تعزيز الجهود المتبادلة لدرء الأخطار بداية، وتعظيم المنافع المتبادلة في الوقت ذاته.
نموذج القائد المجدد والمتمثل في ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تجد هدفه الأول والأهم هو العمل من أجل صالح ومصالح شعبه وأهله ووطنه وأمته، أنه يتطلع إلى ما هو أبعد من نطاق الأنظمة المعتادة والأرقام التقليدية، ومن هنا تأتي رؤيته التجديدية 2030، وما يليها من تبعات واستحقاقات تنسحب على منطقة الخليج بداية والشرق الأوسط والعالم العربي بصورة تالية.
تبقى الإمارات دولة عربية شقيقة، ويجمع المملكة مع الإمارات مساحات عريضة من وحدة الهدف والتوجه، ولا سيما أن هناك ترابطاً ثقافياً واجتماعياً متأصلاً منذ القدم؛ فالتاريخ واحد، والمصالح متبادلة بغير براغماتية سلبية، والرؤى متوافقة، وضع أسسها الآباء المؤسسون، ويستكمل سيرتها اليوم الجيل التالي من القيادات في البلدين، في ضوء حكمة ترى الحاضر وتحدياته، وتنظر إلى المستقبل وتستشرف مخاوفه وأحلامه في الوقت ذاته.
يمكن للناظر للترحيب الكبير الذي استُقبل به ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أن يقطع بأنه علامة دالة على عمق التحالف بين السعودية والإمارات، وتأكيد متجدد على وجود علاقة نموذجية وتناغم خلاق يخلق تقارباً في وجهات النظر حول جميع المجالات في إطار تحقيق المصالح المشتركة.
الشجعان من القادة الذين تحدث عنهم الشيخ محمد بن راشد يُعرَفون بتحليهم بالصلابة، وهي رمز الأمان ومعياره، ولا سيما في أوقات الملمات الجسام، والقائد الشجاع لا يدع أي تحدٍ يهزمه أو يحطمه؛ إذ يسير هذا النموذج من القادة عبر دروب الحياة من خلال امتلاك قدرة داخلية على التحكم في زمام الأمور وإبقائها تحت السيطرة، وهم مدركون بروحانية عالية وغالية أنهم مسؤولون عن خياراتهم وسلوكهم، وأنهم نموذج لأجيال قادمة.
ينظر الأمير محمد إلى التحديات التي تشتعل بها المنطقة على أنها فرصة جيدة لتغيير الواقع المتردي الذي طال لأربعة عقود، ولا سيما ذلك الذي انطلق من بعد الثورة الإيرانية غير المحمودة التي لم تخلف وراءها سوى المخاوف والقلق في النهار والأرق في الليل.
دقَّت ساعة الحسم، وها هي الأيادي العربية والعقول والأفئدة تدرك أن الأيام القادمة، وإن كانت تحمل أخباراً رائعة وتحولات أروع تخدم السلام والتطور الإيجابي على صعيد دول الخليج والعالم العربي من جهة، وهذا نتاج فرح اللقاء بين الأشقاء وتعاونهم المشترك، إلا أن المستقبل لا يوفر أيضاً تهديدات قد تكون نوعية وغير مسبوقة من نظام تكلس وتحجر، ويكاد يطلق صرخة الطائر الذبيح، تلك المخاوف التي أشار إليها في منتدى المنامة الأخير قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكنزي، حين توقع إقدام طهران على خطوات غير عقلانية تضر بأمن المنطقة واستقرارها.
والثابت أن تصريحات الجنرال ماكنزي قد سبقت انفجار الوضع في العراق بصورة غير متوقعة وانهيار الحضور الإيراني للملالي ودوائرهم هناك؛ الأمر الذي يجعل من الرغبة الإيرانية في الثأر فرض عين.
تاريخ منطقة الخليج يتغير، ومحمد بن سلمان يحمل راية تُعلي من شأن الإنسان، والنجاح حليفه في الحل والترحال.