عرفات صنو فلسطين

13:21

2019-11-12

رجب أبو سرية

دبي - الشروق العربي - في العصر الحديث تعرّف الكثير من الدول مترافقة بأسماء قادة تاريخيين، قادوا بلادهم إلى رحاب التحرر من الاحتلال الخارجي، أو قادوا ثورات الحرية الداخلية ليضعوا دولهم في مقدمة دول وشعوب العالم، ومن هؤلاء المهاتما غاندي/ الهند، ماو تسي تونغ/ الصين، هو شي منه/فيتنام،  كمال اتاتورك / تركيا، نيلسون مانديلا/جنوب أفريقيا، فيدل كاسترو/ كوبا، شارل ديغول/ فرنسا وبالتأكيد ياسر عرفات/ فلسطين.
ومثل هؤلاء عادة لا يجود الزمان بمثلهم دائما أو كل الوقت، بل ربما كل بضع مئات من السنين، فمنهم من يعتبر رجل دولة، ومنهم من يعتبر رمزا للحرية أو التحرر، وهكذا، ما أن يمضوا إلى أجلهم الطبيعي حتى يدخلوا التاريخ، فيتحولون إضافة إلى كونهم رموزا تاريخية إلى ملهمين، حيث يتم تداول أفكارهم وتعاليمهم بين الأجيال.
وفي حقيقة الأمر فإن الدول والشعوب عادة ما تفاخر غيرها بما قدمته للبشرية من قادة ورجال فكر وسياسة، علم وأدب وفن، بحيث يتحولون إلى ثروة بشرية تخص البشر جميعا، فمثلا قليل من محبي ارنستو تشي جيفارا يعرفون أنه أرجنتيني الأصل، ذلك أنه عرف كقائد مع كاسترو للثورة الكوبية، ثم استشهد في بوليفيا، وكثير من عاشقي كاسترو ينظرون إليه على أنه رمز إنساني، وبالطبع الأمر ينطبق أكثر على الأدباء والعلماء والفنانين، الذين تجاوزوا الحدود القومية، بل إنهم نشروا الوعي الأممي والإنساني بين البشر، في وقت كانت هناك حروب عالمية تنشأ على أساس عرقي.
من الصعب على أحد من مناصري القضية الفلسطينية الذين يملؤون الدنيا، أن لا يعرف ياسر عرفات، وعادة ما يتم ربط القضية الفلسطينية باسمه، وقد ملأ الدنيا في حياته وظل أثره وصيته باقياً بعد مماته، كما هم الزعماء التاريخيون، حقاً، ورغم أن الرجل لم يقصد أن يتحول إلى أيقونة أو رمز للكفاح العالمي، إلا أنه صار كذلك، لذا فإن عديدا من الرموز التي رافقته في حياته تحولت إلى أيقونات تدل على القضية الفلسطينية.
لعل في مقدمة ذلك «الكوفية» التي كان معتاداً على ارتدائها على رأسه، مثل أي مواطن فلسطيني من فلاحي بلادنا الذين عاشوا فيها قبل العام 1948، كذلك هو حال العديد من كلماته التي كان معتاداً على قولها، مثل: (يا جبل ما تهزك ريح)، (شاء من شاء وأبى من أبى)، وقد كان لتواضع وبساطة أبو عمار شأنا في تحوله إلى بطل شعبي، وهو الذي ظهر طوال حياته على هيئة الفدائي الذي يرتدي الزي «الكاكي» فلم يظهر يوما بزي عصري، وهو الذي كان يحل ضيفا على كل عواصم الدنيا، متمنطقا مسدسه الشخصي، حتى وهو يرفع غصن الزيتون بيده.
في حقيقة الأمر، فإن مقابلة صورة فلسطين قبل ظهور أبي عمار وبعد قيادته لـ (م ت ف) تظهر أهمية الرجل ومكانته التاريخية، بحيث يمكن القول بحق، إن اسمه صار مرادفا لاسم فلسطين الحديثة، وإنه شخصيا كان الحبل السري لمسار الثورة الفلسطينية المعاصرة .
وفلسطين قبل العام 1965، كانت اسماً مغلفاً بالنسيان، ومهدداً بالتبديد والتلاشي، خاصة في ملفات السياسة، فحتى الحرب العالمية الأولى، كانت كل البلاد العربية أشبه بالمحافظات ضمن الدولة العثمانية/التركية، وفقط الاستقلال عن الاستعمار البريطاني والفرنسي الذي ورث تركيا/العثمانية، هو الذي كرس القطريات العربية.
وكان مسح اسم فلسطين من خريطة السياسة والواقع هدفا صهيونيا، وجد فرصته في تجاوب بعض الأنظمة العربية بعد قرار التقسيم، وفي ظهور الفكر القومي الذي كان يجد غضاضة في انتشار الوعي القطري، رغم إقامة الدول القطرية حتى من قبل الأحزاب القومية، لذا أدرك أبو عمار بفلسطينيته الحقة ووعيه السياسي أهمية رفع شعار القرار الوطني المستقل، وتحديد الهدف بتحرير فلسطين ومن ثم بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كنقيض للهدف الصهيوني.
وكان إعلان الكفاح الفلسطيني المسلح رداً على خضوع القضية الفلسطينية للحسابات القطرية، وعدم إعلان الدولة الفلسطينية حتى على ما لم يحتل من أرضها بعد العام 1948، من ثم كانت صفحات البطولة التي سطرتها الثورة بقيادته الشجاعة والجبهوية بدءا بمعركة الكرامة ومرورا بقيادته لمنظمة التحرير، رداً على الليل العربي بعد هزيمة 1967.
ثم تواصلت صفحات البطولة في التصدي الشجاع للاجتياحات الإسرائيلية لقواعد الثورة الفلسطينية مترافقة مع الفتوحات السياسية المتتابعة، بدءا من إعلان (م ت ف) ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني، مرورا باعتمادها عضوا مراقبا في الأمم المتحدة، كما لم يحدث من قبل مع حركة تحرر عالمي، التي رفعت من شأن فلسطين كعنوان للتحرر العالمي، بعد أن خطب الرجل في الأمم المتحدة، إلى أن أعلن الاستقلال في الجزائر عام 1988.
ياسر عرفات كرس (م ت ف) كدولة فلسطينية في المنفى، تماما كما كان قد فعل شارل ديغول بقيادته لفرنسا الحرة وبلاده محتلة من قبل النازي الألماني في الحرب العالمية الثانية، وياسر عرفات هو مؤسس الثورة الفلسطينية المعاصرة، ومؤسس السلطة وقائد الشعب الفلسطيني طوال أربعة عقود.
وهكذا فإن إطلاق اسم فلسطين في أرجاء المعمورة قد ترافق باسم ياسر عرفات كقائد ورمز وعنوان لهذه الدولة وكقائد لشعبها المناضل من أجل الحرية والاستقلال. وهكذا تحول بشخصه كهدف للعدو الإسرائيلي، الذي لم يكف عن محاولة اغتياله حتى بعد أن وقع معه اتفاق سلام الشجعان، فحاصره في المقاطعة إلى أن وضع له السم، فقضى شهيدا مثل أبناء شعبه ومحققا لاختياره الشهادة، ومفضلا لها على أن يكون طريدا أو أسيرا أو شريدا كما ردد مرارا في أيامه الأخيرة.
اسم فلسطين يبقى ويظل اسما عاليا في سماء الحرية العالمية، لكنه يظل مترادفا باسم ياسر عرفات الذي كان هو أول من أطلقه وأخرجه من دهاليز السياسة العدوّة إلى رحاب الواقع الثوري ورحاب الحرية، وهكذا سيظل محفورا في سجلات التاريخ.