الشاهد يُربك حسابات النهضة بتخليه عن رئاسة الحكومة مؤقتا

15:32

2019-08-24

دبي - الشروق العربي - فاجأ رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، الفاعلين السياسيين في البلاد، بقرار وُصف بـ”الجريء”، أعلن فيه التخلي مؤقتا عن رئاسة الحكومة، عبر تفويض صلاحياته إلى وزير الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة والسياسات العمومية، كمال مرجان، حتى يتفرغ لحملته الانتخابية، في مناخ يضمن حياد الإدارة.

في وقت قرر قاض تونسي سجن نبيل القروي أحد أبرز المرشحين للرئاسة بتهمة غسل الأموال والتهرب الضريبي.

وحرك هذا القرار الذي اندرج في سياق سلة الأوراق التي بدأ الشاهد في ترتيبها استعدادا للدفع بها تباعا أثناء حملته الانتخابية للاستحقاق الرئاسي، المشهد السياسي الذي اهتزت أركانه على وقعه، لاسيما وأنه يأتي بعد يومين فقط من إعلانه التخلي عن جنسيته الفرنسية الذي أربك هو الآخر حسابات بعض الأحزاب المعنية بهذا الاستحقاق الانتخابي.

وأعلن الشاهد المرشح لخوض سباق الانتخابات الرئاسية المبكرة في منتصف الشهر القادم، تفويض صلاحياته كرئيس للحكومة، مؤقتا، إلى كمال مرجان، حيث قال في كلمة بثها التلفزيون التونسي الرسمي “الوطنية الأولى”، مساء الخميس، إنه اتخذ هذا القرار عن قناعة.

وكمال مرجان الذي فوضه يوسف الشاهد لتولي رئاسة الحكومة مؤقتا، هو آخر وزير خارجية في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، والأهم من ذلك أنه يرأس حاليا المجلس الوطني لحزب “تحيا تونس” الذي يرأسه يوسف الشاهد.

ولفت الشاهد في كلمته التي تزامنت مع بث القناة التلفزيونية الخاصة “الحوار التونسي” لحوار مع وزير الدفاع المستقيل، عبدالكريم الزبيدي، الذي يعتبر من أبرز منافسي الشاهد في السباق الرئاسي، إلى أن هذا القرار يأتي أيضا “لغلق باب التأويلات حول استعمال أجهزة الدولة”.

وتابع قائلا “أريد أن أطلب ثقة التونسيين بإمكانياتي الخاصة، وجمهوريتنا وديمقراطيتنا أفضل من المصالح الخاصة”، لافتا إلى أن هذا التفويض مؤقت، وينتهي بنهاية الحملة الانتخابية، وذلك بحسب ما ينص عليه الفصل 92 من الدستور.

 وينص هذا الفصل في فقرته الأخيرة على أنه “يمكن لرئيس الحكومة أن يفوض بعض صلاحياته للوزراء. وإذا تعذر على رئيس الحكومة ممارسة مهامه بصفة وقتية، يفوض سلطاته إلى أحد الوزراء”.

ومباشرة بعد إعلان هذا القرار، بدأ كمال مرجان، مهامه كرئيس مفوض للحكومة، حيث أشرف الجمعة بمدينة قابس بجنوب شرق البلاد، على إعطاء إشارة انطلاق عمليات استغلال حقل “نوارة” للغاز الطبيعي، إلى جانب إطلاعه على سير أعمال مركز خزن الغاز المسيل بالمنطقة الصناعية بمدينة غنوش من محافظة قابس.

وسعى يوسف الشاهد في كلمته إلى تبديد الشكوك والريبة، وما رافقها من انتقادات، وحتى اتهامات بوجود مخططات له للاستفادة من منصبه كرئيس حكومة وتوظيف أجهزة الدولة لصالح حملته الانتخابية، حيث لم يتردد في تأكيد حرصه على أن تجري الانتخابات الرئاسية المرتقبة “في ظروف مثالية، وتعطي لتونس صورة راقية للعالم”.

كما تعهد في نفس الوقت بأنه سيعمل على أن تكون المنافسة خلال هذا السباق الرئاسي نزيهة بينه وبين بقية المرشحين، “ليكون الجميع على قدم المساواة في سياق المحافظة على حياد الإدارة”.

واعتبر مراقبون أن هذه الخطوة وما رافقها من تأكيدات وتعهدات من شأنها إشاعة مناخ إيجابي، عبر عنه المرشح عبدالكريم الزبيدي الذي سارع إلى الترحيب بها، ولكنها قد تحرج في نفس الوقت بعض الأحزاب التي دفعت بمرشحين لها لخوض هذا السباق الرئاسي، وخاصة منها حركة النهضة الإسلامية.

ولم يصدر إلى غاية الآن أي موقف عن مسؤولي هذه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، حيث التزم الجميع الصمت، ما يؤكد دخولهم في حالة من الحرج والارتباك، على اعتبار أن مرشحها للاستحقاق الرئاسي، نائب رئيس النهضة عبدالفتاح مورو، يرأس حاليا البرلمان بصفة مؤقتة.

وتطالب العديد من القوى السياسية مرشح حركة النهضة الإسلامية بالاستقالة من منصبه، حتى أن النائب فيصل التبيني، دعا عبدالفتاح مورو إلى عدم رئاسة الجلسة العامة للبرلمان التي عقدت الخميس، لتفادي تضارب المصالح، باعتبار أن مورو معني بالسباق الرئاسي.

غير أن مرشح حركة النهضة الذي بدا عليه الإحراج، رفض مع ذلك هذه الدعوة، واعتبر أن “قيامه بمهامه لا يتعارض مع ترشحه للرئاسة”، ما يعني أن هذا الإحراج سيتواصل خلال الأيام القادمة، لاسيما وأن الورقة الأولى التي رمى بها الشاهد، أي إعلانه التخلي عن جنسيته الثانية الفرنسية، أحرجت كثيرا قادة هذه الحركة، وخاصة رئيسها راشد الغنوشي.

وكان الغنوشي الذي يبدو أنه معني بهذا الموضوع، قد اعتبر في تصريحات سابقة تعليقا على تخلي رئيس الحكومة يوسف الشاهد عن جنسيته الفرنسية قبل تقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية أنه كان على يوسف الشاهد “التريث حتى ينجح في الانتخابات الرئاسية القادمة لكي يتخلى عن جنسيته الثانية الفرنسية”.

وأثار هذا الإعلان جدلا واسعا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي باعتبار أنه لم يكن معلوما لدى العموم أن الشاهد، الذي تولى مسؤوليات حكومية سامية قبل رئاسته الحكومة منذ العام 2016، كان يحمل جنسية ثانية غير جنسيته التونسية.

وعلى وقع هذا الحرج الذي بدأ يتحول إلى ارتباك واضح يرجح المراقبون أن ترتفع حدته داخل صفوف حركة النهضة الإسلامية، يكون يوسف الشاهد قد نجح بهذه الورقة في رسم خطوط سباق التنافس الرئاسي وفقا لمعايير تأخذ في بعض حساباتها ما تقتضيه الظروف من مناورات قد تفتح المشهد أمام متغيرات كبيرة قبل الوصول إلى المحطة النهائية لهذا الاستحقاق الانتخابي.