الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018, 19:51 مساءً
شريط الاخبار
بحث
مركزية مصرية أم عربية
آخر تحديث:
19/03/2018 [ 09:09 ]
مركزية مصرية أم عربية
محمد أبوالفضل

في أوقات كثيرة يلفت نظري بعض الأصدقاء من دول عربية مختلفة، إلى أن المصريين مركزيون بطبعهم. يرون أنفسهم فقط في هذا العالم. بلدهم أم الدنيا. من يشرب من نيلها يعود إليه مرة أخرى. يتصورون أنهم قادرون وحدهم على استيعاب كل الجنسيات، وصهرها في النسيج الوطني.

كنت أفكر في هذه المسألة، وأجد لها ظلالا واسعة من الحقيقة. غالبية المصريين يرون العالم وفقا لمقياس يتمحور حولهم، في البداية والنهاية. كل شيء يبدو كأنه خُلق من أجلهم ولهم إسهامات في كل شيء، بصرف النظر عن المستوى العلمي والثقافي والسياسي والاجتماعي القاتم.

عندما يتدهور حال الوطن، يهربون إلى الماضي ويجدون مياها وفيرة للنهل منها وكنوزا عريقة للاقتباس منها. نحن أكثر شعب تغزل ببلده واحتفى بقادته وخلدهم أحياء وأمواتا.

أغنيات أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ومحمد ثروت وهاني شاكر وعمرو مصطفى، وكلمات عبدالرحمن الأبنودي وعبدالرحيم منصور وفؤاد حداد وسيد حجاب، وألحان بليغ حمدي وكمال الطويل، كلها علامات شاهدة على التضخم السياسي والحضاري، من خلال الطرب والموسيقى.

الجديد أن هذا المجال أصبح يشمل مطربين ومطربات عربا، مثل التونسية لطيفة واللبنانية نانسي عجرم والإماراتي حسين الجسمي والأردني عمر عبداللات وغيرهم، ما يوحي أن هناك سحرا خاصا ومنافع كثيرة في هذا البلد، بعيدا عن مدى تراجعه الثقافي، وحجم مشاكله الاقتصادية.

التنشئة في الصغر عبر المدرسة والمنزل والمجتمع، تتحمل جانبا من مسؤولية التثقيف المشوه عند قطاع كبير من المصريين، لأنها تغرس، من حيث تدري أو لا تدري، فكرة المركزية

أذكر أن الكثير من الأصدقاء العرب انتقدوا مصر وأهلها وعابوا الزحام في الشوارع والفوضى في وسائل المواصلات ومضايقات السائقين، مع ذلك لم يتورعوا عن زيارتها والتردد عليها. اتفق عدد كبير منهم أن هذا البلد لو تغير حاله وبات منظما وشعبه يستيقظ وينام مبكرا، لفقد جانبا من بريقه.

لم أتعجب من الانتقادات وهي في معظمها صحيحة، لكنني كنت أتعجب من مفارقة العشوائية والجاذبية، ومتلازمة تدهور الأحوال والتفاخر معا. قطاع كبير من المصريين ينتقدون بلدهم ويصبون اللعنات على أحوالهم. عندما يقوم غيرهم بذلك كأن شيطانا مسهم، ينتفضون للدفاع عنه بما يذكرك بمن يشرب الخمر في حانة حتى الثمالة، وإذا سمع من يسب دينه يستفيق ويتذكر قداسته ويهب للدفاع عنه.

الحكايات التي يمكن ذكرها في هذا السياق كثيرة ومتعددة، وكلها تدور حول صواب فكرة المركزية المصرية التي يصعب إنكارها. تفسيرها يعود إلى العمق الحضاري في الماضي والزهو به، وعدم وجود ما يضاهيه في الحاضر. لذلك يلجأ الحكام والمحكومون إلى هذا الإرث لمداراة فجوة خطيرة.

المشكلة أن المبالغة والتضخيم والعزف على هذا الوتر عموما، ترك أثرا مجتمعيا كبيرا، تجده في العالم والجاهل وعند المفكر ومحدود الثقافة والغني والفقير. تتلاشى وتتراجع هذه المسألة وفقا لدرجة الاطلاع والاحتكاك بعوالم أخرى حيوية وبها عافية سياسية وثقافية وعلمية. المعرفة عن عمق تزيل جزءا مهما من التضخم المعنوي، الفردي والجماعي، أو على الأقل تحد منه وتضعه في مكانه الصحيح.

التنشئة في الصغر عبر المدرسة والمنزل والمجتمع، تتحمل جانبا من مسؤولية التثقيف المشوه عند قطاع كبير من المصريين، لأنها تغرس، من حيث تدري أو لا تدري، فكرة المركزية بكل ما تنطوي عليه من معاني جيدة ومضامين معيبة ومختلة.

من تربّوا في الصغر على أنهم أعظم جنس وأقوى دولة عربية وشعاعها الثقافي امتد لجميع أنحاء العالم عبر التاريخ، يصعب عليهم أن يتخيلوا عند الكبر المس بما احتفظت به ذاكرتهم من حقائق وخيالات.

ناهيك عن ترسيخ فكرة أن الفراعنة، وهم أصحاب حضارة فعلا، اخترعوا كل شيء ولم يتركوا مجالا إلا وطرقوه باقتدار، في الفن والثقافة والهندسة والعلوم الطبيعية. هي نغمة يتزايد الاعتماد عليها وقت اشتداد الأزمات، أملا في تخفيف المشكلات.

الطريقة التي تعتمد عليها الكثير من الأسر في مصر لتربية أبنائها تتحمل جزءا مهما من التضخم، لأنها تقوم على وضع بذور الفخر العربي منذ الصغر، وبالتالي من المنطقي أن تبدو المركزية ظاهرة في التصورات والتصرفات.

الحاصل أن هذه القضية لا يحتكرها المصريون فقط، فهي ظاهرة عربية بامتياز. تتفاوت درجتها من دولة لأخرى حسب العمق الحضاري والانتماء القبلي. ربما يكون المصريون أعلى صوتا وأكثر صخبا وحرفية وإتقانا وتوظيفا.

من يراجع كتابات بعض الصحافيين العرب يتأكد أن العالم يتمحور حول بلدانهم. السوري مستغرق في همومه التي لا تنتهي ويعتقد أن قلب وعقل العالم مشغولان به فقط. العراقي منخرط في النيل من الطوائف التي خربت بلده ومتحفز للانتقام من إيران والأميركان.

كما أن اللبناني لا يزال يحاول فك شفرة التعقيدات السياسية في بيروت ومصير الانتخابات النيابية في ظل تغول حزب الله. السعودي يبشر بنتائج مشروع ولي العهد محمد بن سلمان والتحولات الإيجابية في البلاد. المغربي يتفاخر باستقرار وأمن نظام بلده. التونسي منغمس في قفزه على التراث وتحقيق الطموحات المجتمعية التي لن تنتهي.

كل هذه العلامات تمر أمام أعيننا ولم أجد من يلوم من يتحدثون عن المركزية الشديدة التي تتحكم في عقل هؤلاء. قد يستطيع المصري الكتابة عن العراق والعكس، لكن كل يغني على ليلاه، وهي عادة عربية أصيلة.

الواضح أن مركزية المثقفين المصريين عتيدة، مع ذلك لا تختلف كثيرا عن مركزية أي مثقف عربي. المشكلة أن الوضع بدأ يتفاقم، فعندما يعتقد كل طرف أنه أكثر وعيا وحضارة، من الطبيعي أن يقلل من شأن الآخرين.

بالطبع مصر ليست أفضل بلد عربي، ولا يوجد البلد العربي الأفضل أيضا. من الممكن أن تجد ميزة نسبية في دولة، سياسية أو أمنية أو عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية أو حضارية، أو في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات. ربما تجد البعض من هذه المكونات في بلد، لكن من الصعوبة أن تجدها مجتمعة في دولة واحدة، ما يعني أن تكرار الحديث عن مركزية مصر فقط، يكشف عن أمرين مختلفين.

أحدهما ينم عن مرارات تجاه دولة تراجعت، ومع ذلك لا تزال تملك قدرة للتفاخر بنفسها والهجاء لغيرها. والآخر يريد التأكيد أن العالم مفتوح، ولهجة المركزية والقولبة انتهت وتجاوزها الزمن ولم تعد تؤثر في وعي المصريين أنفسهم.

الأمران، أو أحدهما، يمكن أن ينطبق على أي دولة أخرى، فكل الأزمات التي حلت بالعراق وسوريا وحتى اليمن، لم تمس الجذور. تجد مواطن أي من هذه الدول ينتفض بمجرد أن تقلل من شأن بلده، مهما كان خلافه مع النظام الحاكم، وبعيدا عن أي تدهور أو خراب لحق بالدولة.

رأيت فتاة سورية تطلب مساعدة من شاب في أحد شوارع القاهرة، راقبتها أخرى من نفس بلدها وعرفتها من لهجتها ونهرتها وعنفتها ولم تقبل عذرها، وقالت لها “أنت عار على سوريا، مثلك تعمل ولا تشحذ”.

نعم العالم أصبح منفتحا، وتراجعت الانتماءات الإقليمية كثيرا، وتخلص مواطنو دول كثيرة من ميراثهم السابق، لكن تظل العقلية العربية مرتبطة بجذورها، حتى لو أمضت عقودا طويلة في دول أوروبا وأميركا، فدائما يملك العربي حنينا لموطنه الأصلي، ما يمثل قمة المركزية التي قد تضاهي نظيرتها المصرية المعيبة.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
ملفات خاصة
حلم حافظ الأسد يتحقق .. أخيرا !
حلم حافظ الأسد يتحقق .. أخيرا !
بعد حادث الطائرة الروسية، الذي وقع قبل أيام في سوريا، أعلنت روسيا أنها عازمة على تسليم منظومة صواريخ "إس - 300" إلى الجيش السوري خلال أسبوعين. كان يحلم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بالحصول على منظومة "إس-300" فقد طلب حافظ الأسد من موسكو، في آخر زيارة له قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، بتزويد سوريا بالمنظومة الصاروخية "إس-300". ووزار الرئيس السوري الراحل في عام 1987 الاتحاد السوفييتي، وجرت محادثات بينه وبين رئيس الاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، وطلب حافظ الأسد حينها تزويد سوريا ب"إس-300" ولكن غورباتشوف رفض الطلب حينها، وبعد ذلك في أوائل التسعينات توقفت صادرات موسكو من الأسلحة إلى سوريا وكان السبب الدين الكبير الذي كان يتوجب على سوريا دفعه. وعندما جاء عصر بوتين عادت صادرات الأسلحة الروسية إلى سوريا، وكان يريد تزويد سوريا بـ "إس-300"، عندما حلقت الطائرات الإسرائيلية فوق قصر الرئيس السوري الحالي، بشار الأسد، لكي يمنع طائرات تل أبيب من التحليق مرة أخرى فوق القصر الرئاسي، ولكن تل أبيت استخدمت كل قواها لمنع الصفقة، ولم تتم حينها أيضا. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أبلغ نظيره السوري بشار الأسد، يوم الاثنين، عن خطط تسليم سوريا منظومة صواريخ "إس — 300"، وذلك بعد أسبوع من سقوط الطائرة الروسية فوق مياه البحر المتوسط قبالة السواحل السورية. وقالت الرئاسة السورية، في بيان لها، إن "الرئيس بوتين أبلغ الأسد، خلال اتصال هاتفي، بأن روسيا ستطور منظومات الدفاع الجوي السورية وتسلمها منظومة "إس — 300" الحديثة"، محملا إسرائيل مسؤولية إسقاط الطائرة. وكان وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو قال، في وقت سابق، إنه بأمر من الرئيس فلاديمير بوتين، سيتم تزويد سوريا بمنظومة الدفاع الجوي "إس — 300" خلال أسبوعين، وهي قادرة على اعتراض الأهداف الجوية على مسافة تتجاوز 250 كم. وبمجرد تسليم روسيا لسوريا منظومة الدفاع الجوي "إس-300" يكون بذلك تحقق حلم حافظ الأسد بعد موته.
جمال عبد الناصر مات مرضا أم قتلا ؟
جمال عبد الناصر مات مرضا أم قتلا ؟
قبيل الذكرى 48 لوفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، تطرق الصحفي المصري محمد علي إبراهيم إلى أشهر روايتين عن سبب وفاته. ولفت إبراهيم في هذا الصدد إلى أن أولى الروايات القائلة إن عبد الناصر مات مقتولا صدرت عن عاطف أبو بكر، العضو السابق في حركة فتح، وفحواها أن رئيس المجلس الثوري الفلسطيني صبري البنا الشهير باسم "أبو نضال" أهدى بالاتفاق مع الرئيس السوداني حينها جعفر النميري، عبد الناصر مسدسا مسموما أثناء زيارته معرضا يعرض غنائم أخذت من الجيش الإسرائيلي. ورأى الصحفي أن النميري وأبو نضال "كانت تحكمهما مصالح متبادلة، حيث تولى أبو نضال تصفية وتعقب معارضي النميري". أما الرواية الثانية، والتي رجّح الصحفي المصري أنها الأقرب إلى الحقيقة، فتتمثل في شهادة طبيب عبد الناصر الخاص، الصاوي حبيب، الرجل الذي رافقه في لحظاته الأخيرة. هذه الرواية الصادرة عن الدكتور الصاوي والدكتور منصور فايز، أخصائي أمراض الباطنية والقلب، تؤكد أن الزعيم الراحل قد أصيب "بالصدمة القلبية وهى أخطر مضاعفات انسداد الشريان التاجي". ويعرج الصحفي محمد علي إبراهيم على رواية محمد حسنين هيكل التي "زعم" فيها أن "السادات صنع فنجان قهوة مسمما لعبد الناصر في فندق النيل هيلتون وصرف السفرجي محمد داوود". وأعرب الصحفي في هذا السياق عن استغرابه من أن هيكل دفع بـ"5 روايات مختلفة عن وفاة ناصر في 15 يوما بينها 7 اختلافات". ومع كل ذلك، لم يكن الراحل هيكل واثقا من أن عبد الناصر قتل مسموما، بحسب الصحفي عبد الله السناوي الذي قال في كتابه "حياة برقاش.. هيكل بلا حواجز" إنه سأله: هل مات عبد الناصر مسموما؟، فرد قائلا: "ليس عندي يقين، والجزم في مثل هذه الأحوال خطأ فادح، الوثائق تقول إنهم كانوا يريدون الوصول إليه بالسم، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم نالوا منه فعلا".
ترحيل القس الأمريكي "مغتصب الأطفال" من المغرب
ترحيل القس الأمريكي "مغتصب الأطفال" من المغرب
سلّمت السلطات المغربية قسا كاثوليكيا سابقا متهما بالاعتداء الجنسي على الأطفال إلى سلطات الولايات المتحدة. وكشفت وزارة العدل الأمريكية أن القس الأمريكي، آرثر بيرول البالغ من العمر 80 عاما، تمت مقاضاته أثناء عمله كقس في الجيش لدى قاعدة للقوات الجوية الأمريكية بعد اتهامه باعتداء جنسي على طفل دون سن الثانية عشرة بين عامي 1991 و1992. وأكد ممثل ادعاء أمريكي أنّ لائحة التهم الموجهة إلى القس الكاثوليكي تزعم وجود "خرق عميق للثقة من قبل شخص كان ينظر إليه كمرشد للشباب ويحظى باحترام وسط المجتمع"، مشيرا إلى أن المدعي العام الأمريكي سيسعى إلى تحقيق العدالة للضحايا، على الرغم من مرور كل هذه السنوات التي يريد البعض أن يضعها بينه وبين هذه الجرائم المزعومة. وذكر الإعلام الأمريكي أن السلطات الأمنية المغربية تمكّنت من إلقاء القبض عليه بعد فترة وجيزة من توجيه لائحة الاتهام إليه في العام الماضي وظل محتجزا منذ ذلك الوقت، وفي حال إدانته قد يواجه أقصى عقوبة وهي السجن مدى الحياة. يُذكر أنه وفي عام 1992، فرّ القس بيرول من الولايات المتحدة عقب انكشاف فعلته المشينة، واختفى عن الأنظار حتى ألقت السلطات المغربية القبض عليه العام الماضي، عقب توجيه اتهامات إليه من محكمة نيومكسيكو.
التصويت
الشروق تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الشروق العربي
ALSHORUQ.NET © 2018