السبت, 21 يونيو 2018, 09:49 صباحاً
شريط الاخبار
بحث
هل سينهار العالم بعد أيام؟
آخر تحديث:
11/07/2018 [ 00:22 ]
هل سينهار العالم بعد أيام؟
ممدوح المهيني

"العالم الذي صنعته أميركا"، هذا عنوان لكتاب غاضب نشره المؤرخ المحافظ روبرت كاخان كردٍّ غير مباشر على الرئيس السابق أوباما. وعلى الرغم من أن أوباما استعار بعض أفكاره في أحد خطاباته للاتحاد أمام الكونغرس إلا أنه عكس تقريباً كل ما جاء فيه. نقمة كاخان نابعة من رؤية أوباما الضجر من دور الشرطي الوحيد الذي تلعبه أميركا وما يحمّلها ذلك من مسؤوليات وتكاليف، مفضلاً أن يرى مركز بوليس يقوم بالحراسة تشغله قوى عالمية أخرى.

كما أن المؤرخ غاضب من سياسته الخارجية التي توقعها الكثيرون عالمية دولية، وانتهت إلى انسحابية تكنوقراطية منشغلة بتصميم برنامج للتأمينات الصحية أكثر من ملاحقة الجماعات الإرهابية وردع الأنظمة المارقة. في الكتاب الصغير، يسرد الكاتب تفاصيل نشوء هذا العالم أو النظام الدولي الليبرالي الذي ورثته أميركا من الإمبراطورية البريطانية المنهارة بعد هزيمة النازية ونهاية الحرب العالمية الثانية قبل أكبر من 70 عاماً.

 

المشهد كان كئيباً مع صور أوروبا المحطمة وأكثر من 50 مليون قتيل. ومع هذا دفعت واشنطن 13 مليار دولار وأعادت إعمار أوروبا من الحطام، وحافظت على النظام الدولي شبه المنهار ووسعته من خلال ترويج الديمقراطية نظامها السياسي أو اقتصادياً عبر نظامها الرأسمالي. سعت لخلق عالم على هيئتها تقل فيه الحروب وتزدهر فيه التجارة. النتيجة كانت مشجعة أكثر مما حلم به الكثيرون. توسع هذا النظام سبع مرات، وانتعش مفهوم السوق الحرة حتى تغلبت على كل الأنظمة الاقتصادية الأخرى، وتدمقرطت دول كثيرة حتى وصلت إلى 123 دولة، ما قلل من فرص النزاعات المدمرة، حيث لم يشهد العالم فترة سلام متواصلة مثل السبعة عقود الأخيرة. هزيمة النازية والفاشية والشيوعية نزعت الشرعية تماماً عن هذه الأنظمة الدموية، وألغت جاذبيتها حتى لم يعد أحد يفكر بتقليدها وإعادة استنساخها من جديد. وحتى دول مثل الصين تمسكت بنظامها السياسي ولكنها دخلت السوق الرأسمالية، وحققت معدلات نمو مرتفعة لم تشهدها في تاريخها، وأنقذت في الأعوام الخمسة الأخيرة فقط 68 مليون شخص من بؤس الفقر. تطور العالم بسرعة من عصر الحكومات إلى الشركات عابرة القارات وحتى وصلنا إلى التطبيقات. لكن تحقق كل هذا الاستقرار والازدهار لم يأتِ إلا مع وجود القوى العظمى تقوم بحراسته ومعاقبة اللاعبين الخطيرين الساعين لتدمير هذا النظام الدولي المستقر والمنفتح، واستبداله بنظام آخر مثلما سعى الاتحاد السوفيتي قبل أن ينهار. جرس الخطر قرع في عهد الرئيس أوباما الذي قدم مواعظ بليغة عن الأخلاق والقيم العالمية والإنسانية ولكنه ترك هذا النظام العالمي مكشوفاً، وتساهل مع الساعين لتحطيم قواعده مثل النظام الإيراني حتى بتنا نرى الحدود تتحول إلى خطوط رملية والمجازر مروعة تمر بلا حساب.

هذه الأيام تتعالى الاعتراضات الناقدة للرئيس الأميركي ترمب بحجة أنه يسعى لتدمير النظام الدولي الليبرالي من خلال المشاحنات المستمرة مع أوروبا حول العلاقات التجارية أو ميزانية حلف الناتو. "ترمب معادٍ للقيم التي شكلت هذا العالم. يقول أميركا أولاً ويشتم جاستن ترودو ويمتدح كيم جونغ أون"، هذا ما قاله أحد المعلقين في معرض شرحه للكيفية التي يسعى ترمب لتدمير النظام الليبرالي والانتقام من أقرب حلفائه. هل هذا صحيح؟ هل تسعى إدارة ترمب للقضاء على النظام الدولي الليبرالي الذي بدأته إدارة هاري ترومان؟ التركيز على حساب ترمب في تويتر قد يعطي مثل هذا الانطباع، فهو في حالة هيجان مستمر لتثوير وتجييش أنصاره ولكن الأفعال أقوى صوتاً من التغريدات. على الرغم من حديث ترمب الانعزالي إلا أنها وثقت علاقاتها بحلفاء أميركا الذين تضررت علاقتهم مع إدارة أوباما، وساهمت هذه الأحلاف التقليدية التاريخية في المحافظة على النظام الدولي في الأحياء السيئة في العالم مثل الشرق الأوسط. وقامت إدارة ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني معه، وتسعى بشكل واضح لتحجيم نظام طهران، ويحض المسؤولين بشكل صريح على إسقاطه. الأسد عوقب مرتين من أجل الحفاظ على النظام الدولي حتى لو كان في أقل درجاته ومن أجل ردع قتلة آخرين يأملون بفعل الشيء نفسه. المفاوضات مع كوريا الشمالية هدفها الأساسي نزع مخالبها النووية وإدخالها في الأسرة الدولية، وأخيراً الحرب الناجحة التي أنهت وجود تنظيم داعش. سياسات واشنطن الصريحة هذه صممها صقور ولا تهدف إلى تحطيم النظام الدولي الليبرالي بل تسعى لتنظيفه والمحافظة عليه، وكل التصريحات الأوروبية الغاضبة والمحذرة من انهيار العالم بعد أيام بسبب انسحاب أميركا من الناتو والتجارة العالمية هي مجرد مبالغات سياسية لا أكثر، أما المجلات بأغلفتها الصادمة فهي فقط للفرجة والمتعة وليس للقراءة الجادة. العالم الليبرالي لن ينهار في الغد أو بعد سنة بشرط وجود قوى ترعاه وتحميه بالأفعال والجيوش القوية وليس الأقوال والخطب البليغة.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
ملفات خاصة
التصويت
الشروق تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الشروق العربي
ALSHORUQ.NET © 2018