الاثنين, 16 يونيو 2018, 16:23 مساءً
شريط الاخبار
بحث
مات الأب واختفى الابن ولم تيأس الأم في رحلة البحث.. اتصال هاتفي غيّر حياتها هذه السوريّة
آخر تحديث:
16/04/2018 [ 14:49 ]
مات الأب واختفى الابن ولم تيأس الأم في رحلة البحث.. اتصال هاتفي غيّر حياتها هذه السوريّة

دبي-الشروق العربي-أم محمد هي ابنة أحد مزارعي القطن والقمح، عاشت مع أشقائها الثلاثة في قرية سورية صغيرة. تتذكر طفولتها بالنزهات في الحقول المشمسة، والزي المدرسي النظيف والرغبة في التعلم، تقول "كانت تلك الأيام سعيدة".

على الرغم من أنها فقدت توازنها بعد اكتشاف مقتل زوجها، وكفاحها المستمر لحماية أطفالها الخمسة الآخرين، لم تتخل أبداً عن البحث عن ابنها.

فمنذ بدء الصراع السوري في عام 2011، لقى أكثر من 500 ألف شخص مصرعهم. وقد ارتفع هذا العدد مرة أخرى هذا الأسبوع، إذ قُتل عشرات المدنيين في هجوم كيميائي في دوما.

ومع سجن الآلاف من الرجال على يد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) والجيش السوري، تُركت العديد من النساء يصارعن من أجل البقاء، دون معرفة ما إذا كان أزواجهن وأبناؤهن قد ماتوا أم لا يزالون على قيد الحياة.

أم محمد التي تزوجت من ابن عم والدتها حين كانت في السادسة عشرة من العمر، واضطرت إلى التوقف عن الدراسة، كانت مستمتعة بالحياة.

تقول "عندما تزوجت، عشت في الشام، دمشق، وكان زوجي يعمل وكان لدينا راتب جيد. عشت هناك لمدة 17 عاماً، ثم بدأت الاحتجاجات وبدأت الحياة في التغير. بدأ عمل زوجي يتقلص، وبسبب التفجيرات المستمرة توقفت ابنتنا عن الذهاب إلى العمل. وفي يوم من الأيام، لم يعد زوجي إلى المنزل."

تفاصيل ذلك اليوم لن تنساه أبداً، كان هناك انفجار في مرآب بالقرب من مكان عمل زوجها ولم يكن يرد على هاتفه. كانت أم محمد وعائلتها على دراية تامة بالأشخاص المفقودين في سوريا، حيث اختفى الآلاف منذ بداية الثورة.

عملية بحث مضنية

أمضوا ما يقرب من شهرين في البحث عنه في مراكز الشرطة والمستشفيات، حتى بدأوا في نهاية المطاف في البحث في المشارح. "ذهبنا إلى 10 مستشفيات ونظرنا إلى العديد من جثث القتلى للعثور على زوجي، وكان الكثير من الناس يموتون حولي. في أحد المستشفيات ذهبنا إلى الطابق السفلي للنظر إلى الجثث ووجدته. حين رأيته، سقطت على الأرض دون أن أشعر بنفسي. عندما عثرت على جثته وأخذته إلى البيت، لم يكن بإمكاننا حتى غسل جثمانه بالطريقة الإسلامية الصحيحة قبل الدفن لأنه قد تغير كثيراً".

قبل رحلة البحث المضنية، كان ابنها الأكبر آران قد انتقل للعمل في مطعم يبعد عدة ساعات عن المنزل، ولم يكن لديه علم بموت والده. حين استعدت أم محمد لإخباره، أجبرت مرة أخرى على مواجهة ما لم يكن في الحسبان.

"في أحد الأيام ذهبت مجموعة من داعش إلى مطعم آران لتناول وجبة الغداء، وسمعت الحكومة بذلك. اندلع شجار بينهما. هرب بعضهم، ومات بعضهم، لكن ابني لم يستطع الخروج. لذا ألقت الحكومة السورية القبض على العاملين هناك. دافع ابني عن نفسه، قائلاً إنه كان يعمل هناك فقط، لكن الحكومة قالت إنه إذا لم يكن للمطعم علاقة جيدة مع داعش ما كانوا ليثقوا فيه بما يكفي لتناول الطعام هناك، لذا اعتقلوه. سجنوهم، وعذبوهم ، وضربوهم، وعلقوهم من الجدران والسقوف. كانوا يعطونهم قطعة صغيرة فقط من الخبز ليأكلوها كل يوم. كانوا يفعلون كل ما بوسعهم للتأكد من أن هؤلاء الأشخاص لا ينتمون إلى داعش."

خلال هذا الوقت لم يكن لدى أم محمد أي فكرة عما حدث. لم يكن لديها أي وسيلة للوصول إليه، وعلى الرغم من البحث المستمر لم تجد أي أثر لابنها. أجهشت في البكاء حين تذكرت بحثها المحموم.

سوريا الصغرى

بلا مصدر للدخل، تضاءلت الإمدادات الغذائية وسط العنف المشتعل. ولأن لديها خمسة أطفال آخرين، أقنعها شقيقها بالانتقال إلى كردستان العراق. عاشت العائلة في مخيم دوميز المترامي الأطراف، والمعروف باسم "سوريا الصغيرة" بسبب عدد سكانها الضخم من اللاجئين السوريين.

وعد شقيقها بالبحث عن آران، حتى لو كان ذلك يعني العودة إلى المشارح. وقد وفى بوعده.

"بعد أربعة أشهر من مجيئنا إلى المخيم، اتصل أخي ليخبرني أن ابني لا يزال على قيد الحياة. لم نكن نعرف مكانه، أو كيف كان حاله، لكننا كنا نعرف أنه كان يُقاتل على الخطوط الأمامية. حصل أخي على رقم أحد العسكريين، ضابط في الجيش، وبعد الكثير من الاتصالات تمكنا في النهاية من العثور على المنطقة التي يوجد بها ابني، وظللت أحاول طوال ثلاثة أيام. في اليوم الثالث، في الثامنة مساء، أتذكر ذلك، رد رجل. سألت عما إذا كان آران في كتيبته – قال نعم، لقد سمعت هذا الاسم.

"كان الخط سيئاً وهمس الرجل لي قائلاً "سأبحث عنه. عندما أتصل بك ويرن الهاتف رنّة واحدة، اتصلي بي مرة أخرى. وأنهى المكالمة"

انتظرت أم محمد في المخيم، داعيةً أن يتصل الرجل قبل أن يوقفه أحد.

في نهاية المطاف رن الهاتف رنّة واحدة، ولكن لم يتبق لديها رصيد كاف ولم تمتلك المال لشراء المزيد.

وسرعان ما حصلت على بعض السكر وأخذته إلى متجر صغير، وتوسلتهم لتبادله مقابل الحصول على رصيد.

"تمكنت من الاتصال مرة أخرى. كان الخط ضعيفاً، وكانت هناك أصوات كثيرة. وفجأةً سمعت في وسط الضجيج صوتاً يقول، "أمي، قلبي" وبدأت في البكاء. هذا ما اعتاد ابني الصغير أن يقول لي دائماً، لذلك عرفت أنه هو على الفور دون أن يقول كلمة أخرى. لقد وجدته"

" طلب على الفور أن يتحدث إلى والده، لم يكن يعلم أنه قد مات، ولم أستطع أن أخبره، لم أستطع فحسب".

أمضت أم محمد الأشهر التالية في بيع الأرز والسكر للحصول على المزيد من الرصيد لكي تتمكن من مواصلة الحديث مع ابنها سراً.

وقد سأل في كل مكالمة أين والده، وكانت تكذب في كل مرة يسألها فيها، لم تستطع أن تقول له الحقيقة.

"لقد تغير صوته عبر الهاتف عن الصبي الذي كنت أعرفه. وذات يوم ظل يخبرني عن مدى قلقه علي، وأن أعتني بنفسي وأشقائه. سألته ما المشكلة، وكل ما قاله "أنني أعلم" وأنهى المكالمة.

فعلت أم محمد كل ما بوسعها لإخراج أسرتها من مخيم اللاجئين ورؤية آران مرة أخرى.

وبعد مرور عام وتسعة أشهر، بعد أن انتقلت إلى منزل مع أشقائها وأطفال آخرين، تمكنت العائلة من توفير مبلغ من المال، ما يكفي لإجراء محاولة خطيرة تنطوي على عملية تهريب ابنها من سوريا.

"لقد أعطينا المال لرجل سيساعدنا في تهريبه من سوريا إلى أربيل في العراق، حيث انتقلت إلى هناك. كُسرت ذراع آران في إحدى المعارك وتم نقله، مما سهّل الوصول إليه. ولأنه لم يهرب من منطقة عسكرية، فقد كان في منطقة مدنية، وهذا هو السبب الوحيد الذي جعل تلك العملية ممكنة. وقد قمنا بفعلها".

أخرجت أم محمد صوراً لابنها، وابتسمت بفخر.

"الآن غادرت المخيم منذ خمس سنوات ويعيش ابني معي في مدينة أربيل، في منزل مناسب".

"لديّ ماكينة خياطة صغيرة وأصنع الملابس للجيران والأقارب، وابني يبيع الشاي مقابل 100 ليرة سورية (13 بنس) للكوب في المتنزهات والحدائق. على الرغم من أن حياتنا صعبة للغاية، ولكن على الأقل ابني معي، هذا كل ما يهم. لقد عاد إلي".

أصبحت أم محمد الآن جزءاً من منظمة "Women for Women International"، وهي مؤسسة غير ربحية تهدف إلى دعم وتعليم النساء اللاتي يعشن في بعض أخطر الأماكن في العالم.

تستمد أم محمد قدراً كبيراً من المعرفة قدر المستطاع من الدورات التي تتلقاها وتُعلم كل ذلك لأطفالها، بدءاً من تعليم الحساب وصولاً إلى الصحة الإنجابية، ومن النظافة الشخصية إلى حقوق التصويت.

هذه قصة امرأة واحدة، وكل قصة مختلفة عن الأخرى، لكن أم محمد ترغب في أن تعرف النساء أنهن لسن وحدهن.

"أنا أرسل رسالة إلى جميع النساء اللواتي شهدن تجربة مشابهة لما شهدته، ومررن بكل الأشياء التي مررت بها، أن ينهضن وألا يوقفهن شيء عن المضي قدماً. وأن يتصدين للمصاعب، ولا يفقدن الأمل في مستقبل أفضل. أنا ممتنة للغاية لأنني اجتمعت مرة أخرى مع ابني، أنا سعيدة جدًا بذلك".

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
ملفات خاصة
التصويت
الشروق تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الشروق العربي
ALSHORUQ.NET © 2018