الاربعاء, 20 2018, 07:18 صباحاً
شريط الاخبار
بحث
سلفيو مصر بعد السعودية الجديدة
آخر تحديث:
12/03/2018 [ 18:36 ]
سلفيو مصر بعد السعودية الجديدة
محمد أبوالفضل

التطورات التي تشهدها السعودية على مستوى التغيرات المجتمعية لا تخصها وحدها، وتأثيراتها القريبة والبعيدة تتجاوز حدود المملكة، وهناك من حققوا مكاسب كبيرة من الأوضاع السابقة، في مقدمتهم تيارات سلفية في بلدان عربية كثيرة، كانت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثالا يحتذى به وفتاوى عتاة الوهابية منبعا لهم.

ربما يكون السلفيون في مصر أكثر المتضررين من الانفتاح السعودي، فلن يجدوا نموذجا لقائمة طويلة من الممنوعات تخص المرأة ومنعها من قيادة السيارات وفرض النقاب وتحريم الموسيقى ونبذ الآخر واتهام المسيحيين بالكفر.

الخطوات التي اتخذها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في بلاده كانت كفيلة بإصابة سلفيي مصر بالصدمة وخيبة الأمل، وجاءت زيارته لمصر الأسبوع الماضي لتؤكد أن الأمر جد لا هزل فيه، وزيارته للكاتدرائية، وهي مقر البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية في مصر، نسفت فكرة تكفير المسيحيين، وحضوره عرضا مسرحيا في دار الأوبرا أجهز على جانب كبير من التصورات الرجعية عند السلفيين.

الضرر الكبير على سلفيي مصر يأتي من فقدان القدوة ومصدر الإلهام ومنبع الفتوى، التي تغذوا عليها سنوات طويلة، ولا أعلم كيف يتصرف ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر عندما يجد من تبنوا أفكار ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب وغيرهما يتنصلون منها تدريجيا؟ ولا أدري كيف يقنع الرجل مريديه أن البلد الذي غرس أفكار هؤلاء تخلى عنها؟ وأي معين سوف يرتوي منه برهامي ورفاقه إذا تأكد أن من أخذوا بفتاواهم تنصلوا منها؟

نكبة برهامي وأمثاله لن تكون فقط في تكسير الملهم، فمن السهل أن يتحايلوا ويجدوا تفسيرات عصرية تمكن من التغطية على محنتهم، لكن النكبة الكبيرة في فقدان أحد مصادر الدعم المادي الرئيسية التي كانت تأتي لهم من جهات سعودية، وخسارة الحواضن التي تساعدهم على توفير الملاذات الآمنة عند المحن في مصر.

السعودية التي استقبلت الآلاف من السلفيين والإخوان في فترات سابقة، تغيرت وأصبحت تقتفي أثر هؤلاء وتمنعهم من تبني أفكار ترسخ التطرف أو تفتح الباب أمامه، وتتكاتف مع مصر في الحرب ضد الإرهاب وفلوله.

السعودية الجديدة تنقلب الآن على الكثير من الأفكار التي تسببت في جمود المجتمع ووضعته في مربع يبدو فيه رمزا للتشدد والتعنت والانغلاق، وهو ما بدأ الأمير محمد بن سلمان في تبديده تدريجيا، وينبئ ارتفاع درجة التجاوب مع التغيرات أن السلفيين ينتظرهم مصيرا غامضا.

الصدى الإيجابي الذي تلقاه التطورات الحالية في السعودية من جهات خارجية عديدة يؤكد أن جذور التشدد أضحت في محنة حقيقية، فإذا كانت جماعة الإخوان وتنظيم داعش والقاعدة والنصرة والجهاديون والتكفيريون، بشتى أنواعهم وأطيافهم، مصدرا رئيسيا للعنف والإرهاب في العالم، فإن السلفية وشيوخها مصدر مواز تخرّجت منه أعداد كبيرة تابعة لهؤلاء.

المشكلة أن التطورات السعودية جاءت في وقت تطالب فيه قوى سياسية مختلفة في مصر بمنع قيام الأحزاب على أساس ديني، وتصاعدت الدعوات للحد من الأنشطة السياسية لحزب النور السلفي وأمثاله، الذي يتبنى توجهات تتسم بقدر وافر من الانتهازية، فهو قفز من مركب الإخوان بعد سقوطهم المدوي في مصر، وأوحى أنه قريب من الدولة الوطنية.

النجاة المؤقتة التي ظهر عليها الحزب وكوادره لم تكن اقتناعا بأن له ميولا مدنية أو تصورات غير إسلامية، بل لأن الأجهزة الرسمية في الدولة المصرية حاولت توظيفه كي لا تبدو في خصام مع المسلمين بعد سقوط نظام الإخوان، الذي زعم أتباعه أن الحكام الجدد في مصر ضد الإسلام.

كما أن الدولة التي خرجت من مواجهة عاصفة مع الإخوان وأتباعهم، ومعظمهم من السلفيين، أرادت أن تحدث كسرا في التيار الإسلامي عبر الاستفادة من انتهازية حزب النور، ومنحت له مساحة منضبطة للحراك السياسي وتمكن من الحصول على عشرة مقاعد في البرلمان الأخير، وكلها عوامل صبغت عليه صبغة رضائية من الحكومة المصرية.

السماح لحزب النور بالتواجد في المشهد وإبعاده عن مصير الإقصاء مثل قريبين منه، جاء أيضا من رحم رغبة مالت لتجنب الصدام مع جهات سعودية شبه رسمية، تعلم الأجهزة الأمنية في مصر أن لها روابط، مادية ومعنوية، مع حزب النور وغيره من الجماعات السلفية.

تفكيك الروابط خلال السنوات الماضية كان سيحدث شرخا نسبيا في العلاقة بين القاهرة والرياض التي شهدت صعودا ونزولا، وتأثرت ببعض التقديرات السياسية المتباينة، والاقتراب من السلفيين في ذلك التوقيت سيتم فهمه على أنه رسالة سلبية للسعودية التي لم تكن شقت طريق الانفتاح.

التقدم نحو المزيد من الانفتاح الداخلي في المملكة، والتطور في العلاقات مع القاهرة والذي ارتقى إلى المستوى الإستراتيجي، من الأسباب المهمة التي تُشعر سلفيي مصر بالريبة وتجعل مستقبلهم مليئا بالأزمات، لأن المنابع التي تغذوا عليها يتم تجفيفها حاليا. القبول أيضا بممارساتهم السياسية المحدودة في مصر كان على مضض، والسماح لشيوخهم بإلقاء دروس في زوايا ومساجد نائية لم تعد له مبررات كافية، وبدأت الكوابح من جهات مختلفة تشق طريقها نحو تغيير التعامل مع السلفيين، وتخيرهم بين الاعتدال الحقيقي والاعتزال التام، لأن المنطقة الرمادية التي تحركوا فيها يجري إغلاقها.

الدولة المصرية غير مضطرة سياسيا للقبول بتمثيل رمزي للسلفيين، ومهمتهم الظاهرة في نزع ورقة من أيدي الإخوان انتهت، والسكوت عليهم يوحي أن لهم يدا طولى، ما يثير الجدل وسط قطاع كبير من المصريين، لن يتقبلوا استمرار ازدواجية الدولة في مكافحة التطرف والعنف والإرهاب من جهة، والقبول بممارسات السلفيين التي تقود إلى ذلك من جهة أخرى.

المعادلة السابقة بدأت تتسرب إلى شيوخ السلفية وانتابهم القلق، فلا يملكون رفاهية التغير والتطور مع المستجدات، ولا يستطيعون البقاء على ما هم عليه فترة طويلة، لأن الأحداث تمضي بسرعة، واهتدى بعضهم إلى المبالغة في دعم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لفترة رئاسية ثانية في الانتخابات المقررة نهاية الشهر الجاري، وقد يرى بعضهم في التواري مؤقتا من المشهد خيارا حتى تهدأ العاصفة.

في جميع الحالات أصبح التيار السلفي بمفهومه التقليدي خارج الزمن، وتضييق الخناق على عدد كبير من متشدديه في دول مختلفة، أحد المشاهد التي تنتظر ما تبقى من سلفيين على المسرح السياسي في مصر، فلن يكون من المقبول مكافحة التطرف ومصادره ويبقى هؤلاء في الصدارة، ومهما حاولوا التكيف مع التطورات الجديدة فإنها لن تكون مناسبة، لأن من يسير بسرعة السلحفاة من الصعوبة أن يتأقلم مع من يجري بسرعة فائقة.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
ملفات خاصة
أيام سوداء تتربص باللاجئين في أوروبا
أيام سوداء تتربص باللاجئين في أوروبا
برزت قضية الهجرة بشدة على الأجندة السياسية الأوروبية في الفترة الأخيرة مع اقتراب موعد القمة الأوروبية التي يراد منها أن تساعد في إيجاد ردود على العديد من الأسئلة المهمة. ومن المتوقع أن يكون ملف الهجرة من أهم المواضيع التي ستبحثها قمة الاتحاد الأوروبي أواخر الشهر الجاري. وسيبحث قادة الاتحاد إصلاح سياسات الاتحاد في مجال الهجرة، ومن المرتقب أن يتخذوا قرارا حول الاجراءات لمنع تنقل الأشخاص الذين قد حصلوا على حق اللجوء في إحدى دول الاتحاد. واقترحت المفوضية الأوروبية تخصيص نحو 35 مليار يورو ضمن ميزانية الاتحاد الأوروبي للفترة 2021 – 2027 لتطبيق السياسات في مجال الهجرة، وهذا يزيد بثلاثة أضعاف عن المبلغ الوارد في الخطة الحالية للأعوام 2014 – 2020. وحسب معطيات منظمة الهجرة الدولية، وصل إلى أوروبا هذا العام 32 ألفا من المهاجرين. وفي العام الماضي بلغ عدد طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي أكثر من 728 ألف شخص. وعلى الرغم من تقلص هذا العدد بالمقارنة مع مؤشرات عام 2016، لا بد من الإشارة إلى أن هذا العدد كان هائلا في 2016، حين بلغ 1.3 مليون طلب. وأصبحت قضية الهجرة محل خلاف كبير بين دول الاتحاد الأوروبي، حيث ترفض دول مثل جمهورية التشيك وهنغاريا استقبال اللاجئين على أراضيها. كما تتخذ النمسا موقفا متشددا بشأن قضية الهجرة. فقد تحدث المستشار النمساوي عن ضرورة حماية حدود الاتحاد الأوروبي والتصدي للهجرة غير الشرعية، محذرا أوروبا من كارثة. وتوجد هناك خلافات أيضا بين الدول التي تستقبل اللاجئين. وبمثابة دليل على ذلك، كانت الفضيحة المتعلقة بسفينة "أكواريوس" التي كان على متنها نحو 600 مهاجر والتي رفضت إيطاليا استقبالها في موانئها. وتسبب ذلك بأزمة دبلوماسية بين إيطاليا وفرنسا على إثر ردود فعل فرنسية شديدة اللهجة. عملة صرف أوروبية جديدة وتحولت قضية الهجرة والمهاجرين إلى عملة صرف وعامل السياسة الداخلية في العديد من الدول الأوروبية. ويشير المراقبون إلى تنامي شعبية قوى اليمين واليمين المتطرف في مختلف الدول الأوروبية.
التصويت
الشروق تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الشروق العربي
ALSHORUQ.NET © 2018