الثلاثاء, 16 يناير 2018, 15:45 مساءً
شريط الاخبار
بحث
«داعش» سيستأنف عمله قريباً في الموصل... والأرجح أنه استأنفه
آخر تحديث:
16/07/2017 [ 11:21 ]
«داعش» سيستأنف عمله قريباً في الموصل... والأرجح أنه استأنفه
حازم الأمين

لا نحمل جديداً لعراقي إذا ما قلنا أن لا نصر تحقق في الموصل! «داعش» يقيم في المدينة، وقريباً سيعاود فرض إتاوات على السكان المنهزمين. شروط «النصر» وضروراته أملت إعلانه، أما الحقيقة فهي في مكان آخر تماماً. نعم، التنظيم كفّ عن أن يكون شرطة وحسبة ونقاط تفتيش، لكن مقاتليه وأجهزته ذابوا في أروقة المدينة وفي عالمها الداخلي، ومثلما استسلمت المدينة للمنتصرين، استسلمت أيضاً للمقاتلين النائمين في أنفاقها. فالموصل تُكرر هضمها المنتصرين والمنهزمين منذ 2003. يومذاك شَهِدت سقوطها بأيدي الأميركيين والأكراد، وها أنا اليوم أشهد سقوطها بأيدي الأميركيين والشيعة. علماً أنه فاتني سقوط ثالث توسط السقوطين، هو سقوط المدينة بيد «داعش» في حزيران (يونيو) 2014، وما تناهى لي من صوره ليس بعيداً ممّا عشته في 2003 وما أشاهده اليوم.
في 2003، عاينت تحول «فدائيي صدام» من مقاتلين إلى مدنيين، في حفلة هذيان كان فيها واحدهم على شفير الانهيار. واليوم أقف على ضفة دجلة أعاين عائلات متسربة من الشاطئ الأيمن، ومنتقلة من دولة «داعش» إلى دولة «الحشد الشعبي»، في طقس عبور هائل ينذر بتحول موازٍ لذاك الذي أصاب «الفدائيين» حين صاروا «مجاهدين» عـــقـب السقــوط الأول.
المشهدان ماثلان الآن في مخيلتي، وأنا إذ أقف على الجسر الوحيد الذي يربط الموصلين، لا أستطيع التمييز بين امرأة تحب صدام حسين نزلت من سيارتها الحديثة في 2003، وراحت تصيح صارخة في وجه الرجال الذين لم يقاتلوا، ونادبة انهيار المدينة أمام «الغزاة»، وبين سيدة خرجت اليوم من الموصل القديمة، مخفية خلف نقابها وجهاً غاضباً ومستسلماً.
لم ينتصر أحد في الموصل. المؤكد أن ثمة مهزوماً يخفي وجهه، أما المنتصر فأقرب إلى مهرج يملك شهية المنتصر، لكنه لا يملك الأرض التي شهدت «النصر». في الموصل اليوم، أكثر من ألف خلية نائمة! هذا تقدير لجهات أمنية وليس توقعاً وتحليلاً. لكن الأهم من ذلك أن «داعش» لم يعد سلطة جائرة يمكن هزمها وتدمير بنيتها، على رغم أنه سلطة جائرة. إنه امتداد لشيء في المدينة وفي محيطها. امتداد لهزيمة ولشعور بالهزيمة، وامتداد لبعث قديم، ولجيش منحلٍّ، ولعشائر لم يتمّ إخضاعها. «النصر» المزعوم أُعلن في مراكز الجيش وعلى خطوط القتال، فيما «داعش» انتقل إلى مستوى آخر من الوجود. «داعش» هو شعور السكان بالهزيمة، وبأن غزاة غرباء أطاحوا قتلة محليين. أما الدمار الهائل فهو ما يضيف إلى الهزيمة هذه المرة بعداً مشهدياً، وإضافة سيجد «داعش» فيها منفذاً لاستئناف سلطته.
يُنذر المشهد بمولود جديد، نسخة مطورة عن «داعش». في أحياء الموصل يمكن أن تشتم رائحة هذا المولود، ولا أحد هنا ينفي هذا التوقع. فالتنظيم ولد من خراب أقل مما تعيشه الموصل اليوم، والهزائم التي تتالت على المدينة لم تكن ساحقة على نحو ما هي ساحقة هزيمة اليوم. البعث ليس حزباً، والموصل لم تكن يوماً بعثية، لكن البعث مركب نفسي تختلط فيه العشيرة بالصحراء وبالحياة الجافة وبالحروب، فتنعقد الزعامة لصدام ومن بعده للبغدادي.
البعث وضباطه قماشة التنظيم الأولى، وهؤلاء لم يمض زمنهم، وما النصر المذهبي سوى فرصة جديدة لهم. المقاتلون وأهلهم تبخروا بين السكان وفي مخيمات النازحين وفي الصحراء. وهم لم يفعلوا ذلك لأن زمن الهزيمة تطلب هذه الخطوة، بل لأن الحرب مستمرة، وهم ينتظرون بشارة المولود الجديد. إنهم أنفسهم فدائيو صدام يوم تحولوا إلى «فصائل المقاومة» ثم إلى تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين»، ومن بعدها بايعوا البغدادي، أو بايعهم. في سيرة كل واحد منهم حكاية «داعش» منذ ولادته وإلى يوم اختناق الموصل بأمرائه. ما أضافه الضابط البعثي إلى شخصيته ليصير أميراً ليس كثيراً. فالسلطة يتقدمها جبروتها، والدماء تُسال حولها، ولحية صغيرة وتتبدد الفروق. وما علي أنا الواقف على «جسر النصر» الذي يربط بين الموصلين، إلا أن أتخيل أن السيدة البعثية غير المحجبة التي شَهِدتُ انهيارها في 2003 قرب مقام النبي يونس في المدينة، هي نفسها المرأة المنقبة الخارجة من الشاطئ الأيمن لتُسلم نفسها للجيش العراقي اليوم.
يومذاك، في 2003، لاح لي «داعش» ما، من دون أن أتمكن من ضبطه. «فدائيو صدام» كانوا في حالٍ تشبه حال تحول الكائنات الخرافية في أفلام الخيال العلمي. ويومذاك لم يكن النصر في وعينا سوى هزيمة لصدام.
اليوم، أضيف إلى هزيمة الموصل عنصر جديد ومؤسس لما لا يمكن توقعه. المنتصرون ليس لديهم سوى نصرهم، واندراجهم في مشروع الانتصارات الإقليمية. لدى «داعش» الكثير ليفعله في أعقاب هزم المدينة. البغدادي ليس سوى تفصيل طفيف على هذا الصعيد، وصورة صدام ولّادة «خلفاء». فالعراق لم يُشفَ من هذه الصورة، ولم تحصل محاولات لمداواته. تعاقب على حكمه صداميون شيعة، قطعوا رأسه تماماً كما كان هو يقطع رؤوسهم، وتماماً كما قطع «داعش» رؤوس رعيته.
تبخر المقاتلون عقب «النصر». لم يُقتلوا ولم يُؤسروا. تسربوا إلى سراديب المدينة، وإلى الصحراء القريبة. استأنفوا من هناك سلطة سرعان ما تحولت رعباً مبثوثاً في كل مكان. لا أحد آمن في الموصل المحررة. قتل المتعاملين مع القوات النظامية بدأ، والخلايا النائمة التي يتحدث عنها الجميع ستتحول قريباً سلطة موازية. ولدى «داعش» على هذا الصعيد خبرات كبيرة، فهو قبل استيلائه على الموصل في 2014، كان يقيم سلطته عبر هذه الخلايا. كان «جيش المالكي» السلطة الرسمية، وكان «داعش» السلطة الأهلية، وانعقدت بين السلطتين شراكات كثيرة، إلى أن أعلنت المدينة عصيانها على «جيش المالكي» فانسحب لـ «داعش» وقال للعالم أن خصومه السنّة هم هؤلاء التكفيريون والقتلة، وفيما توهم سياسيو المدينة نصراً هو مقدمة للابتعاد من دولة الشيعة في بغداد، انقض «داعش» عليهم وقال: الأمر لي.
اليوم، لا سياسة في الحرب على «داعش» في الموصل. لم تترافق الحملة على التنظيم مع أي مشروع سياسي يقترح على السنّة شيئاً يقيهم تكرار التجربة، لا بل إن تزخيماً لشروط الولادة الأولى حصل اليوم.
«داعش» سيستأنف عمله قريباً... والأرجح أنه استأنفه.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
ملفات خاصة
تعرف على سيدة المهام الصعبة المصرية!
تعرف على سيدة المهام الصعبة المصرية!
وافق مجلس النواب المصري اليوم على اختيار المستشارة الاقتصادية رانيا المشاط لمنصب وزير السياحة في التعديلات الوزارية المطروحة لحكومة شريف إسماعيل. شغلت رانيا المشاط منصب "وكيل محافظ البنك المركزي للسياسة النقدية في البنك المركزي المصري" لمدة 11 عاما منذ 2005، وسعت لتطوير استراتيجيا السياسة النقدية، وهي المحور الذي دشن في 2005 ضمن برنامج الإصلاح المصرفي. وعملت اقتصاديا أولا في صندوق النقد الدولي في واشنطن قبل التحاقها بالبنك المركزي المصري، حيث كانت ضمن فريق التفاوض على برنامج الإصلاح المالي والاقتصادي بين عامي 2011 و2013، إضافة إلى دورها في تبادل الخبرات العملية مع المؤسسات الاقتصادية الدولية والبنوك المركزية. حصلت المشاط على الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ميريلاند الأمريكية بارك كولدج، ويشمل تخصصها تطبيقات الاقتصاد الكلي والدولي، والسياسة النقدية، ولها إصدارات خاصة في حقل علومها. كما شغلت منصب نائب مدير مشروع IRIS لدى مركز الإصلاح المؤسسي والقطاع غير الرسمي في جامعة ميريلاند، وحظيت بعضوية مجلس الإدارة التنفيذي في البورصة المصرية و بنك الاستثمار العربي. تمتعت بقائمة طويلة من الخبرات المهنية والمؤهلات العلمية، حيث تشغل منصب وكيل محافظ البنك المركزي المصري للسياسة النقدية في الوقت الحالي، وتقوم بتطوير استراتيجية السياسة النقدية، كواحدة من المهام الصعبة أشرفت الدكتورة رانيا المشاط على إعداد وعرض تقارير السياسة النقدية، وتحليل تقنى لتقييم الوضع الاقتصادي الذي تقرر على أساسه لجنة السياسة النقدية أسعار العائد الرئيسية للبنك المركزي، وشاركت في إدارة السياسة الاقتصادية الكلية للدولة من خلال تصميم إطار الاقتصاد الكلي بالتعاون مع الوزارات والجهات الاقتصادية المختصة لتحديد الفجوة التمويلية وتحديثها بشكل دوري، وذلك ضمن مسئوليات أخرى عملت كخبير اقتصادي أول في صندوق النقد الدولي بواشنطن في أقسام مختلفة ومنها قسم الاستراتيچيات الاقتصادية والمراجعة، وقسم آسيا والمحيط الهادي، حيث كانت ضمن فريق العمل المتابع لاقتصاديات الدول الناشئة في شرق آسيا مثل الهند وڤيتنام. شغلت أيضًا منصب نائب مدير مشروع بمركز الإصلاح المؤسسي والقطاع غير الرسمي IRIS في جامعة ميريلاند - كولدچ بارك بالولايات المتحدة، و باحث ومنسق مشروع قانون المنافسة ومنع الاحتكار في مصر والمُعد من IRIS. عرضت مبادرات سياسية واقتصادية في مؤتمرات عديدة بصندوق النقد الدولي"IMF"، البنك الدولي"WB"،البنك الأوروبي للإعمار والتنمية EBRD، البنك المركزي الأوروبي "ECB"، المفوضية الأوروبية "European Commission"، المعهد الأوروبي لدراسات دول البحر المتوسط "IEMed"، مبادرة أسبن لدول البحر المتوسط "Aspen Mediterranean Initiative"، اليورومني "Euromoney"، مؤسسة "Rockefeller Brothers"، الجمعية الاقتصادية الأمريكية "AEA"، جامعة هارفرد Harvard University، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، منتدى البحوث الاقتصادية "ERF"،المركز المصري للدراسات الاقتصادية"ECES"وغيرها.
التصويت
الشروق تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الشروق العربي
ALSHORUQ.NET © 2018