السبت, 18 نوفمبر 2017, 19:55 مساءً
شريط الاخبار
بحث
«داعش» سيستأنف عمله قريباً في الموصل... والأرجح أنه استأنفه
آخر تحديث:
16/07/2017 [ 11:21 ]
«داعش» سيستأنف عمله قريباً في الموصل... والأرجح أنه استأنفه
حازم الأمين

لا نحمل جديداً لعراقي إذا ما قلنا أن لا نصر تحقق في الموصل! «داعش» يقيم في المدينة، وقريباً سيعاود فرض إتاوات على السكان المنهزمين. شروط «النصر» وضروراته أملت إعلانه، أما الحقيقة فهي في مكان آخر تماماً. نعم، التنظيم كفّ عن أن يكون شرطة وحسبة ونقاط تفتيش، لكن مقاتليه وأجهزته ذابوا في أروقة المدينة وفي عالمها الداخلي، ومثلما استسلمت المدينة للمنتصرين، استسلمت أيضاً للمقاتلين النائمين في أنفاقها. فالموصل تُكرر هضمها المنتصرين والمنهزمين منذ 2003. يومذاك شَهِدت سقوطها بأيدي الأميركيين والأكراد، وها أنا اليوم أشهد سقوطها بأيدي الأميركيين والشيعة. علماً أنه فاتني سقوط ثالث توسط السقوطين، هو سقوط المدينة بيد «داعش» في حزيران (يونيو) 2014، وما تناهى لي من صوره ليس بعيداً ممّا عشته في 2003 وما أشاهده اليوم.
في 2003، عاينت تحول «فدائيي صدام» من مقاتلين إلى مدنيين، في حفلة هذيان كان فيها واحدهم على شفير الانهيار. واليوم أقف على ضفة دجلة أعاين عائلات متسربة من الشاطئ الأيمن، ومنتقلة من دولة «داعش» إلى دولة «الحشد الشعبي»، في طقس عبور هائل ينذر بتحول موازٍ لذاك الذي أصاب «الفدائيين» حين صاروا «مجاهدين» عـــقـب السقــوط الأول.
المشهدان ماثلان الآن في مخيلتي، وأنا إذ أقف على الجسر الوحيد الذي يربط الموصلين، لا أستطيع التمييز بين امرأة تحب صدام حسين نزلت من سيارتها الحديثة في 2003، وراحت تصيح صارخة في وجه الرجال الذين لم يقاتلوا، ونادبة انهيار المدينة أمام «الغزاة»، وبين سيدة خرجت اليوم من الموصل القديمة، مخفية خلف نقابها وجهاً غاضباً ومستسلماً.
لم ينتصر أحد في الموصل. المؤكد أن ثمة مهزوماً يخفي وجهه، أما المنتصر فأقرب إلى مهرج يملك شهية المنتصر، لكنه لا يملك الأرض التي شهدت «النصر». في الموصل اليوم، أكثر من ألف خلية نائمة! هذا تقدير لجهات أمنية وليس توقعاً وتحليلاً. لكن الأهم من ذلك أن «داعش» لم يعد سلطة جائرة يمكن هزمها وتدمير بنيتها، على رغم أنه سلطة جائرة. إنه امتداد لشيء في المدينة وفي محيطها. امتداد لهزيمة ولشعور بالهزيمة، وامتداد لبعث قديم، ولجيش منحلٍّ، ولعشائر لم يتمّ إخضاعها. «النصر» المزعوم أُعلن في مراكز الجيش وعلى خطوط القتال، فيما «داعش» انتقل إلى مستوى آخر من الوجود. «داعش» هو شعور السكان بالهزيمة، وبأن غزاة غرباء أطاحوا قتلة محليين. أما الدمار الهائل فهو ما يضيف إلى الهزيمة هذه المرة بعداً مشهدياً، وإضافة سيجد «داعش» فيها منفذاً لاستئناف سلطته.
يُنذر المشهد بمولود جديد، نسخة مطورة عن «داعش». في أحياء الموصل يمكن أن تشتم رائحة هذا المولود، ولا أحد هنا ينفي هذا التوقع. فالتنظيم ولد من خراب أقل مما تعيشه الموصل اليوم، والهزائم التي تتالت على المدينة لم تكن ساحقة على نحو ما هي ساحقة هزيمة اليوم. البعث ليس حزباً، والموصل لم تكن يوماً بعثية، لكن البعث مركب نفسي تختلط فيه العشيرة بالصحراء وبالحياة الجافة وبالحروب، فتنعقد الزعامة لصدام ومن بعده للبغدادي.
البعث وضباطه قماشة التنظيم الأولى، وهؤلاء لم يمض زمنهم، وما النصر المذهبي سوى فرصة جديدة لهم. المقاتلون وأهلهم تبخروا بين السكان وفي مخيمات النازحين وفي الصحراء. وهم لم يفعلوا ذلك لأن زمن الهزيمة تطلب هذه الخطوة، بل لأن الحرب مستمرة، وهم ينتظرون بشارة المولود الجديد. إنهم أنفسهم فدائيو صدام يوم تحولوا إلى «فصائل المقاومة» ثم إلى تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين»، ومن بعدها بايعوا البغدادي، أو بايعهم. في سيرة كل واحد منهم حكاية «داعش» منذ ولادته وإلى يوم اختناق الموصل بأمرائه. ما أضافه الضابط البعثي إلى شخصيته ليصير أميراً ليس كثيراً. فالسلطة يتقدمها جبروتها، والدماء تُسال حولها، ولحية صغيرة وتتبدد الفروق. وما علي أنا الواقف على «جسر النصر» الذي يربط بين الموصلين، إلا أن أتخيل أن السيدة البعثية غير المحجبة التي شَهِدتُ انهيارها في 2003 قرب مقام النبي يونس في المدينة، هي نفسها المرأة المنقبة الخارجة من الشاطئ الأيمن لتُسلم نفسها للجيش العراقي اليوم.
يومذاك، في 2003، لاح لي «داعش» ما، من دون أن أتمكن من ضبطه. «فدائيو صدام» كانوا في حالٍ تشبه حال تحول الكائنات الخرافية في أفلام الخيال العلمي. ويومذاك لم يكن النصر في وعينا سوى هزيمة لصدام.
اليوم، أضيف إلى هزيمة الموصل عنصر جديد ومؤسس لما لا يمكن توقعه. المنتصرون ليس لديهم سوى نصرهم، واندراجهم في مشروع الانتصارات الإقليمية. لدى «داعش» الكثير ليفعله في أعقاب هزم المدينة. البغدادي ليس سوى تفصيل طفيف على هذا الصعيد، وصورة صدام ولّادة «خلفاء». فالعراق لم يُشفَ من هذه الصورة، ولم تحصل محاولات لمداواته. تعاقب على حكمه صداميون شيعة، قطعوا رأسه تماماً كما كان هو يقطع رؤوسهم، وتماماً كما قطع «داعش» رؤوس رعيته.
تبخر المقاتلون عقب «النصر». لم يُقتلوا ولم يُؤسروا. تسربوا إلى سراديب المدينة، وإلى الصحراء القريبة. استأنفوا من هناك سلطة سرعان ما تحولت رعباً مبثوثاً في كل مكان. لا أحد آمن في الموصل المحررة. قتل المتعاملين مع القوات النظامية بدأ، والخلايا النائمة التي يتحدث عنها الجميع ستتحول قريباً سلطة موازية. ولدى «داعش» على هذا الصعيد خبرات كبيرة، فهو قبل استيلائه على الموصل في 2014، كان يقيم سلطته عبر هذه الخلايا. كان «جيش المالكي» السلطة الرسمية، وكان «داعش» السلطة الأهلية، وانعقدت بين السلطتين شراكات كثيرة، إلى أن أعلنت المدينة عصيانها على «جيش المالكي» فانسحب لـ «داعش» وقال للعالم أن خصومه السنّة هم هؤلاء التكفيريون والقتلة، وفيما توهم سياسيو المدينة نصراً هو مقدمة للابتعاد من دولة الشيعة في بغداد، انقض «داعش» عليهم وقال: الأمر لي.
اليوم، لا سياسة في الحرب على «داعش» في الموصل. لم تترافق الحملة على التنظيم مع أي مشروع سياسي يقترح على السنّة شيئاً يقيهم تكرار التجربة، لا بل إن تزخيماً لشروط الولادة الأولى حصل اليوم.
«داعش» سيستأنف عمله قريباً... والأرجح أنه استأنفه.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
ملفات خاصة
سعد الحريري وريث المال والمنصب والحظوة السعودية.. فمن هو؟!
سعد الحريري وريث المال والمنصب والحظوة السعودية.. فمن هو؟!
أسهمت استقالة سعد الحريري المفاجئة من رئاسة حكومة لبنان في 4 الشهر الجاري، وملابساتها في تعريف العالم به وإشهاره أكثر بكثير من تربعه للمرة الثانية في هذا المنصب. فالمسؤول اللبناني الشاب الذي وصل فرنسا مع عائلته، ورث المال والحظوة قبل السياسة التي وجد نفسه في معمعتها العام 2005 فجأة، عند اغتيال والده رفيق الحريري الذي ترأس الحكومة في لبنان لعدة مرات في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن مسيرته السياسية لم تكن دائما مفروشة بالورود، رغم دعم السعودية له ولوالده من قبله، وذلك بسبب تشابك الخلافات السياسية مع التقسيمات الطائفية والمذهبية في هذا الوطن الصغير الذي عاش محنة حرب أهلية استمرت نحو 15 عاما. ويغادر الحريري الرياض هذه المرة على خلفية سيناريوهات وشكوك حول "احتجازه وإجباره على تقديم استقالته" منها في الرابع من نوفمبر 2017، مرفقا ذلك بحملة على إيران وحزب الله الذي تحالف معه في بداية مسيرته السياسية قبل أن تفرّق بينهما الصراعات الإقليمية والتنافس الحاد على النفوذ بين طهران والرياض. ولمع نجم سعد الحريري (47 عاماً) في العام 2005، بعدما تكتل حوله فريق "قوى 14 آذار" فور دخوله معترك السياسة. وأدى اغتيال والده في تفجير مروّع في وسط بيروت، والضغط الشعبي الذي تلاه إلى إخراج الجيش السوري من لبنان بعد ثلاثين سنة من تواجده فيه، وإلى التعاطف معه وإيصاله إلى البرلمان على رأس كتلة لها وزنها وتعتبر الأكبر حتى اليوم. في 3 نوفمبر 2016، تولى سعد الحريري رئاسة الحكومة اللبنانية للمرة الثانية. وكانت المرة الأولى بين 2009 و2011 حين ترأس حكومة وحدة وطنية ضمت معظم الأطراف اللبنانيين، وأسقطها حزب الله وحلفاؤه وعلى رأسهم ميشال عون بسحب وزرائهم منها. في المرة الثانية، عاد الحريري بناء على تسوية اتفق عليها مع ميشال عون الذي انتخب رئيساً للجمهورية في أكتوبر عام 2016 بعد عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي. واعتبر خصوم الحريري ومعظم أنصاره استقالته المفاجئة بعد سنة على تكليفه برئاسة الحكومة، قرارا "سعوديا"، وصولا إلى حملة دبلوماسية قام بها الحكم اللبناني متهما الرياض بإبقاء الحريري لديها "رهينة". وزاد في الإرباك أن الحريري الذي يحمل الجنسية السعودية إلى جانب جنسيته اللبنانية، أمضى سنوات طويلة من حياته في السعودية إلى أن انطلق في مسيرته السياسية. وكانت الرياض باستمرار تسانده في كل خياراته السياسية وأعماله التجارية. وفي مواجهة الشائعات والسيناريوهات حول احتجازه أو وضعه في الإقامة الجبرية، رد الحريري خلال الأيام الماضية عبر "تويتر" بأنه وعائلته "بألف خير" في السعودية. وغرد قبيل سفره إلى فرنسا السبت: "إقامتي في المملكة هي من أجل إجراء مشاورات حول مستقبل الوضع في لبنان وعلاقاته بمحيطه العربي. وكل ما يشاع خلاف ذلك من قصص حول إقامتي ومغادرتي أو يتناول وضع عائلتي لا يعدو كونه مجرد شائعات".
لماذا تحالف بن لادن مع روبرت فيسك المقرب من حزب الله؟
لماذا تحالف بن لادن مع روبرت فيسك المقرب من حزب الله؟
توالت مفاجآت وثائق أبوت آباد، الخاصة بزعيم تنظيم القاعدة أسامة #بن_لادن، كاشفةً هذه المرة عن تحالف أيديولوجي مشبوه بين بن لادن والصحافي البريطاني اليساري #روبرت_فيسك المقيم في لبنان، والمُقرب من #حزب_الله. أظهرت الوثائق رغبة بن لادن، وطلبه الاتصال بفيسك، المتخصص على مدار ثلاثة عقود بكتابة تقارير صحافية عن دول الشرق الأوسط وحكوماتها لصحيفة الإندبندنت البريطانية، المعروفة بتمثيلها لأقصى اليسار البريطاني. الذكرى العاشرة وفيلم وثائقي هنا السؤال المهم: لماذا يهتم بن لادن بالتواصل مع روبرت فيسك على ما بينهما من تناقضات فكرية وعقائدية واسعة؟ تجيب الوثائق ذاتها بأن بن لادن بَرّر طلبه هذا بغرض إعداد فيلم وثائقي يجري بثه تزامنا مع الذكرى العاشرة لأحداث 11 سبتمبر، وليس كما زعم فيسك لإجراء مقابلة صحافية تكررت لثلاث مرات. الحرب الضروس ودوافع التنظيم ففي رسالة من بن لادن إلى قيادات بالتنظيم، أسند إليهم تكليفا بأن يرسلوا إلى عبد الباري عطوان وروبرت فيسك باقتراب الذكرى العاشرة لأحداث 11 سبتمبر، ومعها حصاد السنوات العشر من الحرب الضروس بين أتباعه وأميركا، وأنها فرصة جيدة لإيضاح دوافع التنظيم لمواصلة هذه الحرب التي تعود على العالم الإسلامي بالأضرار. مغازلة فيسك والغازات السامة لا تخلو هذه الرسالة من الطرافة والغرابة في توجيه بن لادن لروبرت فيسك، ومغازلته بالتركيز على ظروف المناخ المتدهورة، وأن هذا يستلزم إعادة الحقوق إلى أصحابها حتى يتفرغ العالم لإنقاذ البشرية من مخاطر التدهور البيئي، وانبعاث الغازات السامة، وإلا فليس أمامهم (القاعدة) إلا مواصلة القتال في هذه الحرب التي هي صراع بين حضارتين، بحسب ما جاء بالرسالة.. المغازلة هنا، لكون قضية التلوث البيئي هي من شواغل اليسار الذي ينتمي إليه فيسك. الأزمة المالية الأميركية ودور فيسك عودة إلى قصة الاتصال بروبرت فيسك والهدف منها.. بن لادن نفسه يقول في رسالته: "أفيدوهم (يقصد فيسك وعطوان) بأن دورهم أكبر من نقل المعلومة في الصحف، واقتراحنا بأن يقوموا بإعداد فيلم وثائقي في هذه الذكرى العاشرة، وسنزودهم بالمعلومات مقروءة ومسموعة ومرئية، على أن يفيدونا برؤيتهم، لوضع تصور للفيلم، وتسليط الضوء فيه على أن المجاهدين هم السبب الرئيسي للأزمة المالية التي تعاني منها أميركا". مقالات فيسك والدعاية الأيديولوجية للقاعدة انتهت الوثيقة.. إلا أن ضخ الدعاية الأيديولوجية لتنظيم القاعدة في الأوساط الغربية كان متدفقا وجليا في مقالات فيسك، ففي عام 2007، كتب مقالا عن تفجير "منهاتن" بأنه يود مثل الآخرين معرفة القصة الكاملة لأحداث 11 سبتمبر، "لأنها كانت الشرارة التي أشعلت كل هذه الحرب على الإرهاب المجنونة والمخادعة التي أفضت بنا إلى الكارثة في العراق وأفغانستان وفي الكثير من مناطق الشرق الأوسط، حسب ما جاء بمقاله. داعش وسايكس بيكو والحدود الجغرافية عام 2014، وفي غمرة الصعود المثير لتنظيم داعش، وباقي الجماعات الراديكالية المسلحة، أشار فيسك في صحيفتة الإندبندنت إلى أن الخلافة الإسلامية التي أعلنها داعش بالعراق وسوريا، ولو مؤقتا، ولدت على يد مقاتلين لا يعرفون الحدود الجغرافية بين سوريا والعراق والأردن ولبنان، ولا حتى حدود فلسطين التي أنشأتها بريطانيا وفرنسا، مضيفا أن سيطرة داعش على غرب وشرق سوريا دمرت اتفاقية ما بعد الحرب العالمية الأنجلو- فرنسية "سايكس بيكو"، التي قسمت الشرق الأوسط، وحولت الدولة العثمانية إلى دويلات عربية يسيطر عليها الغرب. تعاطف اليسار وإحراج الحكومات الغربية الكاتب الصحافي بجريدة "الشرق الأوسط" اللندنية، عادل درويش، وزميل فيسك بصحيفتي التايمز والإندبندنت البريطانيتين، في حديثه مع "العربية.نت"، وتفسيره دعوة بن لادن لفيسك، أوضح درويش أن الدعوة تأتي على خلفية تعاطف اليسار في السنوات العشر الأخيرة مع التيارات الراديكالية الإسلاموية وجماعة الإخوان، وإيران، بغرض إحراج الحكومات الغربية، خاصة الممثلة للتيار المحافظ، واصفا هذا التحالف بـ"غير المنظم"، منوها بأنه لا يأخذ كلام فيسك دائما على محمل الجد، لأن خياله واسع. مع حزب الله ضد الموقف السعودي أشار الكاتب عادل درويش إلى أبعاد أخرى في تحالف بن لادن وفيسك، وهي "تعاطف التيارات الشيوعية والماركسية مع أيديولوجيات البعث حتى وجدوا أنفسهم في نفس الموقف الإعلامي الذي تروجه جماعة حزب الله والإخوان، لأنها ضد الموقف السعودي والمصري والأميركي، ممثلا بالإدارة الحالية للرئيس ترمب حتى باتوا يغنون من ورقة شعر واحدة".
التصويت
الشروق تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ الشروق العربي
ALSHORUQ.NET © 2017